مسجد الجماعي.. تحفة يمنية بـ 15 قبة

مرايــا

(مسجد الجماعي) ذلك التحفة المعمارية التي تعد أجمل قصص المعمار اليمني بعدد قبابه البالغة 15 قبة.

يطلق اسم مسجد الجماعي اليوم على مجمع المساجد الثلاثة أكبرها المبنى المسقوف بخمسة عشر قبة ومئذنة طويلة، ويتوسط مسجدين قديمين أحدهما يقع في الجهة الجنوبية بقبة واحدة كبيرة، والآخر شمالا بقبة واحدة صغيرة ويسمى مسجد قبة (خديجة).

يضم صحن الجامع ومدخله الجنوبي بركة ماء كبيرة بمساحة 12 مترا في 7 أمتار، وعمق مترين ونصف، ومواضئ بالنظام القديم تم ردمها وسقفها لتتحول إلى خزان ماء تمتد بمحاذاته مواسير المياة وحنفيات للوضوء.

يعلو البركة حوض صغير يستقبل مياه الأمطار النازلة من أسطح المسجد وكذا من منبع المياه الطبيعية القادمة من أحد جبال المنطقة والتابعة لعزلة بلاد الجماعي ومحاذية لحدود مديرية بعدان عبر ساقية ماء ذات هندسة بديعة تضمن وصول تلك المياه من المنبع إلى المسجد على مسافة عدة كيلو مترات مبنية بالأحجار والقضاض..

يختلف ارتفاع الساقية من منطقة إلى أخرى بحسب الاحتياج الذي يضمن انسياب المياه وعدم اختناقها، من (صفر متر - ٣م) ماتزال قائمة حتى اليوم ويستفاد منها في أيام الصيف.

حتى سنوات قريبة كانت المياه تصل إلى بركة المسجد، ومن البركة عبر سردايب أرضية إلى سد دائري كبير خارج الجامع في حال زيادة المياه، والسد محفور في الصخر أيضا بنفس طريقة نحت بركة الجامع ومقضض بطريقة متقنة وقوية، وما يزال قائما حتى اليوم ولكنه بدون أي صيانة.

440 عاما

يصلي الناس اليوم في المبنى المتوسط ذي القباب الخمسة عشرة،  حيث أغلقت المساجد الملتصقة به والتي يعود بناء أحدها (ذي القبة الكبيرة) الى عام ١٠٠٣هـ وهذا التاريخ مكتوب بأحرف بارزة منحوتة على تاج أحد الأعمدة الحجرية التي تشكل بوابة هذه القبة والمسماة بقبة جعفر وهو الاسم المكتوب فوق هذا العمود مع التاريخ .

يقول النص النص المكتوب: (بني هذا الجامع بأمر الشيخ جعفر بن أحمد الجماعي عام ١٠٠٣ هـ) وهو أحد أبناء الأب والمؤسس الأول لأسرة بني الجماعي في هذه المنطقة وهو الشيخ الأمير أحمد بن عبدالباقي الجماعي واسمه موجود في النقش الكبير داخل جامع القبب، والشيخ جعفر هو شقيق الشيخ عامر بن أحمد الجماعي والد مؤسس وباني الجامع الكبير الشيخ أحمد بن عامر الجماعي الذي تم افتتاحه بعد واحد وخمسين عاما كما هو مكتوب في النقش الكبير داخل المسجد بخط الثلث، ما يعني أن بناء المسجد استغرق نحو خمسين عاما. كتبت قصة بناء الجامع في قصيدة فوق الباب العدني ومكونة من عشرة أبيات تضمنت تفاصيل وتاريخ البناء جاء في مطلعها: 

لله مسجد بني بفضله وحسن ثنائه..... إلى أن قال في البيت الرابع:

ولعامرٍ والده همَّ بفعله ... ولجده احمد كان منشائه

ويبدو أن عامرا الذي عاصر بناء الجامع القديم قد هم ببناء هذا الجامع ثم بناه ولده أحمد بن عامر ولكن بأمر  جده الكبير المؤسس أحمد بن عبدالباقي الجماعي رحمهم الله جميعا.. تاريخ بنائه (جامع القبب) تم نقشه تحت احد ابيات القصيدة بشكل واضح يبين أنه تم إنجازه في ١٠٥٤هـ، أما ذكر القائم بالبناء فمكتوب في الجهة الشرقية في إحدى مخروطيات النقش القرآني المحيط بالمسجد من جميع الجهات وجاء فيها: "لتوفيق العبد الفقير راجي عفو ربه أحمد بن عامر بن احمد عبدالباقي الجماعي لعمارة هذا المسجد...".

ثالث المساجد هو قبة صغيرة تقع شمال الجامع الكبير، وتسمى قبة خديجة لكن معلوماتي تقصر عن معرفة اسم وتاريخ البناء، ما تزال قائمة حتى الآن ولها أيضا أوقاف لصالحها كما هي أيضا بقية المساجد والقباب، سواء داخل عزلة بلاد الجماعي وخارج، حسبما تنص وقفية المؤسس عليه رحمة الله.

بالعودة الى الشكل الهندسي للجامع المشيد بالقباب، فهو بناء مستطيل يتساوى فيه بعدي (الطول والارتفاع).

أكبر المساجد اليمنية ارتفاعا

وبحسب المعلومات فهو أحد أكبر المساجد القديمة ارتفاعا في اليمن، حيث يبلغ ارتفاعه من الأرض الى مركز قطر أي قبة نحو ١٠ أمتار، وهو ذات الطول والعرض، ويحمل القباب الخمسة عشر، ثمانية أعمدة حجرية، واثني عشر قوسا هندسيا باذخ الجمال، تقوم على الاعمدة الطويلة التي بعضها منحوت بشكل دائري وبعضها تأخد الشكل الثماني.

وباستثناء بابي منبره وأبوابه الثلاثة، لم تدخل الاخشاب في أي جزء من بناء هذا الجامع، حتى في دعم واسناد سقفه الكبير، إذ تعتبر القباب الثمان آية في الاتقان والتنسيق وحجم الدوائر وأقطارها وأبعادها، وكذا النقش المزخرف والفسيفساء والأشكال المنحوتة داخلها باستخدام الجص.

ما يزال النقش شاهدا حتى اللحظة على عظمة مبدعيه، وما تزال اثنتان من القباب بذات الألوان القديمة منذ الإنشاء والتي تم استخراجها من النباتات الزهرية، قبل أن يتم تجديدها قبل نحو نصف قرن بالألوان الزيتية الحديثة وخاصة اللون الأخضر لأرضية النقش، والذهبي لحروف الكتابة.

ثمانية أعمدة تأخذ شكل صفين في كل صف أربعة أعمدة، بين كل عمود وآخر ثلاثة أمتار، قيل إن البنائين استخدموا طريقة تزاوج الأحجار، ذكر وانثى، وقيل أنها قطعة واحدة تم نحتها على هذا الشكل، وتتنتهي من الأعلى بنقش يشبه عباد الشمس، كأوراق مرتبطة بالنقش المتصل بنقش القباب.

أحزمة قرآنية ملونة

أما جدران المسجد الأربعة فتتوشح هي الأخرى بحزام قرآني بخط الثلث المتداخل الجميل الذي لا تشبهه أية منقوشات في مساجد اليمن الحديثة والقديمة، وقد استطاع الحزام الذهبي الذي يبدأ من يمين الباب القبلي للجامع وينتهى فوق نفس الباب، أن يستوعب كامل سورة الكهف، بعرض ٧٠ سم تقريبا.

يمتد السياق القرآني بشكل أفقي كل ثلاثة إلى أربعة أمتار ثم يرتفع ليأخذ شكل نصف دائرة بنفس الكتابة والجمال، ثم يعود من جديد ليأخذ الشكل الافقي، وهكذا يمكن أن يحتسب أنصاف الدوائر نحو ثمانية أقواس في كل جدران الجامع، إلا في ثلاثة مواضع: الأولى قبلة الجامع: اذ يقطع الحزام الذهبي حزامان آخران بنفس الغرض وخط الثلث الجميل، ويحيطان من أسفل بقبلة الجامع من مستوى أرضيته الى أعلى الواجهة وتنتهي بتاج مزخرف جميل، وقد كتب على هذا الشكل آيات من سورة الإسراء (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق... إلى آخرها).

القبلة والمنبر زخرفتا بأجمل الزخارف والنقوش المتماهية مع الشكل العام لزخارف المسجد، والثانية نقش القصيدة المذكورة سابقا، أعلى الباب العدني وتأخذ شكل المريع، والثالث والرابع في الجارين الجنوبي والشرقي، بغرض استيعاب كامل آيات سورة الكهف.

مهندسون يمنيون وعراقيون زاروا الجامع تحدثوا أن المسجد بني في مرتفع صخرى ونحتت قواعده على ذات المكان نحتا، يمكنه من منح البناء أساسا قويا وقائما مئات السنين، إلا أن المسجد فيما يبدو ظل مهمل الذكر في كل العصور السابقة، لعلاقته ربما بصراع الإمامة والقبيلة وفترات حكم الائمة لمحافظة إب، شأنه في ذلك شان المآثر التاريخية في طول وعرض أرياف محافظة إب وجهاتها الأربع، وربما لعدم ارتباط أوقافه باجهزة الدولة قديما وحديثا، ونظرا لتمسك الذراري بحقهم في إدارة مصارف الوقف بعد آبائهم جيلا بعد جيل.

وترتبط اوقاف الجامع حتى يومنا هذا بذرية وأبناء الواقفين والمؤسسين الأوائل، ومجالس الوقف المنظمة لمصارفه ووارداته التي تتوزع على عدد من مديريات المحافظة (تبلغ نحو ٧٠ ألف قصبة - لبنة) لا سيما مديريات السبرة وبعدان والشعر وريف إب وجزء من مدينتها، وسيطرت عليه الدولة أواخر عهد الإمامة وبداية عهد الجمهورية لفترة قصيرة، وسرعان ما تمت استعادته إلى مجلس ذرية الواقف وديوانه .

حمائم مكة المكرمة مشمولات بالوقف

ويحتفظ الآباء الكبار بأوراق تفيد شمول حَمَام الحرم المكي بجزء من مصارف وسبلات وقف الجماعي ولديهم استلامات بذلك من ملوك آل سعود، وتشمل مصارف الوقف بالإضافة الى حمام مكة، ديوان ضيافة الوقف، ومصارف للخطيب، والإمام، والقيم، والمؤذنين، ومعلمي العلم الشرعي، وبعض الوظائف المتعلقة بنظام القبيلة كالمشيخ ومقدمي الخدمات وعمال الوقف ومجلسه وغيرها مما بقي وما قد اندثر بعضه نظرا لإهمال وتنافر فروع القبيلة وقلة واردات الوقف والتصرف ببيع بعضه واستيلاء الدولة على بعض مساحاته كمواقع ومعسكرات وغيرها.

ويحتفظ الكبار أيضا بوقفيات وأوراق الجامع وممتلكاته وسبلاته وموارده ويتوارثونها كابرا عن كابر، وما يزال نظام وظائف الجامع متوارثا حتى لحظة كتابة التقرير، باعتبارها تراثا ذكيا يربط الأبناء والأحفاد بوظيفة الاباء بالجامع، وهو ما لا يتوفر كثيرا في باقي اوقاف المديرية والمحافظة بل واليمن عموما.