على محمد زيد: لايمكن استعادة الجمهورية إلا بصياغة مشروع نهضة يجد اليمنيون أنفسهم فيه طواعية وبإيمان حقيقي

كتــابــي

على محمد زيد لايمكن استعادة الجمهورية إلا بصياغة مشروع نهضة يجد اليمنيون أنفسهم فيه طواعية وبإيمان حقيقي

ويعتبر الدكتور زيد إن "من حق الجمهورية على الجيل الذي فتحت له باب الأمل والنجاة من الغرق في غياهب العزلة والانغلاق وأخرجته من ظلام القرون الغابرة ليتمسك ببصيص من نور القرن العشرين، أن يُدافع عنها وأن يستعرض الأحوال التي جعلت منها عملية قيصرية ضرورية لإنقاذ شعب اليمن من الاضطهاد والانقراض".

تناول الكتاب عدة محاور حول العزلة والانغلاق في "ممكلة الظلام" كما أسماها، وهي فترة الإمامة، ثم التطرق إلى المنجزات الأدبية، بدءا من الزبيري ودور مستعمرة عدن في التغيير الثقافي في اليمن ودور الجمعيات والاتحادات والنقابات والأحزاب التي نشأت في عدن، ودور المطابع الحديثة في إنتاج وتسويق الأدب الجديد من قصة ورواية ومسرح.

وتناول زيد إصدارات رائدة أثَّرت في تكويننا الثقافي هو مركزا على كتاب "التخلف الاقتصادي والاجتماعي في اليمن" لمحمد سعيد العطار، و"نظرة في تطور المجتمع اليمني» لسلطان أحمد عمر و"غريب على الطريق" لمحمد أنعم غالب، و"دراسات فكرية وأدبية، لـ أبوبكر السقاف.

كثير من المحاور تناولها الكتاب الذي نناقشه محتواه اليوم مع الدكتور زيد، حيث أجاب على أسئلتنا المرتبطة بهذه الكتاب.

-    بعد هذه السنوات من الفعل الثقافي الجمهوري، هل وجدت خواءً يستدعي التذكير، بواسطة كتاب (الثقافة الجمهورية في اليمن)، بالنقلة الثقافية التي غيرت البلاد من عصر (مملكة الظلام) كما أسميتها إلى الواقع الثقافي والتعليمي والعلمي بعد سبتمبر؟ 

كتاب (الثقافة الجمهورية في اليمن) محاولة للإمساك بلحظة التحول الثقافي في اليمن من الثبات والغياب ومن البقاء على هامش الثقافة العربية والعالمية إلى شوق النخبة الثقافية الجمهورية الجديدة للانتقال من الموت إلى الحياة، من الغياب إلى الحضور، من المراوحة في الزمن القديم والتقليد والسطحية إلى محاولة الإبداع والدعوة المخلصة لمغادرة بلادة العالم القديم وتحجُّره، لبناء تجربة حديثة ومتطورة تليق بحياة اليمن في النصف الثاني من القرن العشرين. 

كان العالم في تلك الفترة ينفتح على بعضه البعض، ويتواصل ويتأثر ويؤثر، ولم يكن ممكنا أن تظل اليمن مغلقة في وجه التغيير، في وجه الحياة الجديدة، وبخاصة في مجال الإبداع الثقافي والفني.. ونفَذَ المئات من طلائع الجيل الجديد بصعوبة من سجن العزلة والإنغلاق فذهبوا إلى بعض البلدان العربية التي كانت اليمن متخلفة عنها في كل شيء، وإلى بعض البلدان غير العربية، واكتسبوا معارف وخبرات وأفكار لم يكن ممكنا معها أن يعودوا ويعيشوا في ظل نظام ثقافي كان ما يزال يقبع في عصور الانحطاط.. من هنا بدأوا خوض تجربة الإبداع في مختلف مجالات الأدب والفن وحاولوا التأثير في جيلهم ودعوا إلى خوض تجربة الإبداع والتعامل مع الحرف واللون والنغم، والحلم بتجاوز الاستبداد والتخلف.

ما دفعني إلى تسجيل هذه اللحظة التاريخية لبداية الانتقال من جمود الماضي إلى تفاعل الحاضر الجمهوري والحلم بمستقبل أفضل هو أننا أصبحنا في لحظة ارتباك اختلطت فيها المفاهيم والأوراق، واضطربت القيم، وارتفعت أصوات الزمن القديم من جديد وظهر من أسقطت الجمهورية عالمهم ليشككوا بأصوات الزمن الجديد، وبدأ البعض بتبني دعوة عدمية تحمِّل الجمهورية جميع أوزار الماضي وتلحِق بلحظة التغيير الجمهوري كوارث الحاضر ومعوقاته، وبلغ البعض من النكران حد قبول قول قوى القديم إن الجمهورية لم تكن ضرورية لأن النتيجة ما نشهد اليوم معوقات وكوارث، وفي هذا ظلم ونكران لا يمكن تقبلهما، وقد ساعد على تمرير هذا النكران أن الزمن قد باعد بيننا وبين لحظة بداية التغيير، ولم يعد إلا القليل من أبناء الجيل الجديد، بل من الأجيال الجديدة، يعرف الفارق الهائل بين ما قبل لحظة التحول الجمهوري الضروري وما بعدها، رغم ما عانت منه الجمهورية من معوقات ومن قصور، يكفي فقط الإشارة إلى أن الكتب التي ألفها يمنيون خلال النصف الأول من القرن العشرين لا تتجاوز أصابع اليدين، وكلها باستثناءات قليلة تقليدية وبائسة ومتكلسة وغارقة في ظلام الماضي، وكان الكتاب العربي الجديد يُهرَّب كما تهرب المخدرات، وكانت الأمية شائعة والتعليم نادر، وإذا وجد بعض التعليم المتناثر هنا وهناك فقد كان مقتصرا على علوم الدين والعربية بشكل حصري، وأغلب ما يوجد منه بتمويل من أوقاف كرسها الأهالي للحفاظ على التعليم الديني..

كنا ثقافيا غارقين في الماضي دون أمل في الخروج قريبا إلى الزمن الجديد ما لم تتحقق معجزة تخرجنا من ظلام القرون الغابرة إلى نور القرن العشرين، وكانت الجمهورية هي المعجزة التي حطمت قيود الجمود الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وهكذا يحاول هذا الكتاب تتبَّع لحظة الانعتاق الثقافي ومعالمه الأولى البارزة.

-    كيف يمكن وصف كتاب (الثقافة الجمهورية في اليمن)، أهو إنصاف للرواد الذين سردت واقعهم قبل الجمهورية وإنتاجهم بعدها، أم إنصاف للجمهورية التي يراد لها أن تتلاشى؟

الكتاب إنصاف لليمن، لنضال طلائعها الأولى المثقفة التي رفضت قبول الموت والغياب والهامشية وكافحت وتعذبت لكي تشق لبلادها طريق التحرر من الفقر والجهل والمرض، كي تلحق بعالمها المعاصر، إنصاف للجمهورية التي كانت ضرورية وتأخرت كثيرا قبل أن تفتح أمام اليمنيين طريقا جديدا غير الحرب والغلبة والظلم والاستبداد، نحو البناء والتنمية وبدء تجربة الابداع والإضافة في كل مجال. 

وينبغي الاعتراف بأن الطلائع الجديدة في أزمتها الحالية مشغولة بمواجهة واقعها الأليم، وبالتالي لا تجد الوقت ولا الرغبة للبحث عما أضافه الرواد في مجالات التغيير والإبداع والدعوة لمغادرة سجن الماضي وظلامه وهامشيته، لم يعد عندها من الوقت ومن الظروف المساعدة للاعتراف للرواد بدرورهم الحاسم وتضحياتهم ومعاناتهم القاسية حتى تركوا لنا جمهورية عجزنا عن تطويرها بما يليق بحاجتنا في القرن الواحد والعشرين، فأهدرنا ما حققوا وعجزنا عن أن نضيف إليه ما يرفع من مستوى شعبنا ويحرره من جميع القيود التي تمنع انطلاقه نحو المستقبل، ومن استدامة الفقر والتخلف. 

-    الغوص في أعماق الكتاب يشعر المرء بمدى الفارق غير المعقول بين الكتابة كتهمة في عهد الإمامة وما حدث بعدها. لكن ألا يقود إلى التساؤل أيضا أن ما حدث أيضا لم يعزز قيم الجمهورية كجمهورية حقيقية، وعدنا إلى مربع المقاومة الأول اليوم. أين الخلل؟

عملية البناء والنهضة والتطور عملية طويلة ومعقدة خاضتها الطلائع الجمهورية في ظروف صعبة وتحت ضغوط مقاومة عنيفة من قوى القديم داخل النظام الجمهوري وخارجه، فلم تتوقف الحرب على الجمهورية سوى فترات قصيرة لتعاود الاندلاع من جديد بأشكال مختلفة، وتواصل فرض المعوقات والمعارك الحربية والفكرية دون انقطاع. كما أن القوى الجمهورية كانت جزءً من حركة التحرر العربية التي تحمل في داخل بنيتها عوامل قصور وهشاشة أوصلتها إلى الطريق المسدود الذي وصلت إليه على المستوى العربي كله.

الكِتاب اقتصر على تناول الظواهر الثقافية الإيجابية ولم يتناول التاريخ السياسي ولم يتعرض لجوانب القصور التي أوصلت الجمهورية إلى هذا التمزق، وقادت قوى التقدم أو ما يطلق عليه النخبة السياسية الحديثة نحو الانهيار بحيث فقدنا كل مرجع نستطيع الاطمنان إليه. انهارت المنظومة السياسية الحديثة أو تمزقت بين قوى الحرب، وعادت القيم القديمة المنحطة لتفرض نفسها علينا بصورة لم تكن تخطر في بال أحد، وعاد الكثير من المنتمين لقوى الجديد كل إلى قبيلته أو منطقته أو طائفته أو عشيرته أو إلى موروثه القديم، بمبررات مختلفة، سقطت علاقات التضامن الإنساني التي بنتها الجمهورية بطريقة عابرة للمناطق والقبائل والطوائف، فإذا بنا نجد أنفسنا وجها لوجه أمام الوجه القبيح للحرب الدائمة التي ألقت ببلادنا في أتون الخراب واستدامة الفقر التخلف. 

لا يمكن استعادة الجمهورية التي حلمنا بها إلا متى نحجت الطلائع الجمهورية في صوغ مشروع نهضة مستقبلية يجد اليمنيون أنفسهم فيه ويُقبِلون عليه طواعية وبإيمان حقيقي فيستعيدوا أنفسهم وبلادهم وحلمهم بمستقبل يليق ببلدهم ويستحق أن يضحوا في سبيله. وما لم يتم استعادة هذا المشروع الإنساني المشترك بين غالبية اليمنيين من مختلف الاتجاهات والمناطق والقبائل والجهات فإن الحرب ستواصل تمزيقهم والعبث بحاضرهم ومستقبلهم سواء انتصرت قوى الحرب الحالية أم انهزمت، فقد لحقت الهزيمة بحلمنا المستقبلي وبمشروعنا النهضوي وغرقنا في غياهب التمزق والظلام والضياع.    

-    ركزت في الكتاب على تناول مرحلة ما يسمى بالجمهوريتين الأولى والثانية، في عهد الرئيسين السلال والإرياني.. لماذا اقتصرت الدراسة على هاتين المرحلتين. لم يقنعني الرد في المقدمة؟

كان من الضروري للإحاطة بلحظة التغيير التي نقلت اليمن من مرحلة إلى أخرى وغيَّرت الفلسفة الثقافية السائدة في البلاد، تحديد الإطار الزمني للإمساك بالإجابة، لأن القصد لم يكن دراسة التحولات أو المعوقات الثقافية التي شهدتها اليمن خلال النصف الثاني من القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين، فهذه فترة طويلة وتطورات واسعة تحتاج إلى أكثر من دراسة ووقت أطول وجهد أكبر للبحث فيها والإحاطة بها.  

-    عدد من المثقفين كما ورد في الكتاب سجنوا في عهد الجمهورية الوليدة، بل إن الراحل محمد عبدالولي سجن في عهد الجمهورية الثانية.. هل كانت الجمهورية لحظتها غير مستعدة لكل الأفكار؟

لم تكن الجمهورية، والثقافة الجمهورية على الخصوص، عملية جاهزة وبسيطة انتصرت وفرضت نفسها بديلا للنظام القديم دون مقاومة ودون معوقات، لقد كانت الجمهورية معركة خاضتها الطلائع الجديدة يوما بعد يوم، وكان كل إجراء تحديثي يواجه مقاومة شرشة من قوى القديم داخل الجمهورية وخارجها، ودفع أصحاب الأحلام البعيدة والمشاريع الجديدة ثمنا باهضا من حياتهم ومن معاناتهم، فقد اتسمت حتى قوى التحرر العربي بنواقص وحملت مفاهيم لا تقبل بالتنوع وتقاوم التجديد، بعض الطلائع الجديدة دخل السجون، والبعض واجه رفض إنتاجه الثقافي وخضع للرقابة، ولم نصل في اليمن إلى حد معقول من القبول ولو من حيث الشكل بالتنوع السياسي والصحفي وبحقوق الإنسان الأساسية إلا عند تحقيق الوحدة اليمنية بعد نحو ثلاثة عقود من قيام الجمهورية في الشمال وما يزيد على عشرين سنة على الاستقلال في الجنوب، وكنا نأمل أن يتوطد هذا المنجز الوحدوي الطوعي العظيم ويفتح الباب أمام اليمنيين لولوج عصر جديد وبناء بلد كبير بموارده الطبيعية والاقتصادية والبشرية وأن تتضافر قواه الحية ليكون تأثيرها الاجتماعي والسياسي قويا وحاسما، فإذا بوحش الحرب يفرض نفسه علينا من جديد ويبدأ بجرجرتنا نحو الكارثة التي نعيشها اليوم.  

-    تناولت قصص معظم المستنيرين الأوائل، وأول الكتب وأول الإصدارات، طوال عمر العمل الثوري قبل سبتمبر 1962، كان التحرك ثقافيا أولا، هل ترى أنك أغفلت جوانب التحضير لدولة حقيقية بعيدا عن أحلام الصحف والقصائد، ألا ترى أن الثورة تفاجأت بحاجة البلد لدولة تتأسس من الصفر؟

لم يكن الكتاب تاريخا سياسيا لتلك المرحلة من تاريخ اليمن. كان الهدف تناول الإنتاج الثقافي الدال على ما نجح فيه المثقفون اليمنيون من إضافات أسست لمسيرة ثقافية كانت قد بدأت تعطي ثمارها في شكل جيل من الصحفيين والكتاب والمبدعين والمؤسسات الثقافية التي حطمتها الحرب بعبثية منقطعة النظير وحَرَمت مبدعيها من وسائل عيشهم وجردتهم من حرياتهم وألقت بهم في العراء في الداخل والخارج ومزقتهم ونثرتهم على كل الطرقات الغريبة.

-    اليوم في هذا الكتاب لمست نوعا من الشعور بالأسف للأجيال التي تتساءل "ماذا فعلت الجمهورية" وحاولت التعزيز بذكر التفاصيل المؤلمة في مرحلة ما قبل الثورة، هل نعتبره نوعا من إبراء الضمير بأنكم كجيل سبتمبري عملتم ما بوسعكم؟

ليس براءة ذمة، بل بكاءً بصوت مخنوق وأنينا مكتوما لأننا نحن الذين أهلتنا الجمهورية للمساهمة في العمل في سبيل التغيير وجدنا أنفسنا بعد سنين من الركض ومحاولة العمل، وعلى الخصوص من المشاركة في التغيير الثقافي والتحديث، وجدنا أنفسنا على هامش قوى الحرب المهيمنة على الأرض والمستقطبة للكثيرين ممن اعتقدنا أنهم قد اختاروا المستقبل والعمل في سبيل التنوير والنهضة لكنهم عادوا إلى مرابعهم القديمة.  لقد نجحت قوى القديم في إلحاق الهزيمة بمشروع النهضة والتنوير والدعوة إلى التحديث والإنتاج والإضافة في جميع المجالات، وقذفت بالبلاد بقوة نحو الهامش، وهكذا وجدنا أنفسنا وقد أحاط بنا الخراب والحرائق من جميع الجهات، ولم نعد قادرين سوى على الحلم بأن تستعيد الأجيال الجديدة زمام المبادرة وتطرح مشروعها النهضوي المستقبلي. 

-    في ظل عصر معلوماتي مختلف، حاولت سرد تفاصيل أولئك المستنيرين وتعبهم وجهودهم لتعزيز الثقافة الجمهورية، ومثل هذا الكتاب لا يصل إلى اليمن في الأساس. ألا تعتقد أن عمل الكتاب اليوم أصبح أقل توصيلا للأفكار بفعل عصر تدفق المعلومات السريعة؟

أيا كان تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال سيظل الكتاب الورقي أو الإلكتروني الأساس لنقل الأفكار والآراء والتحليلات والصور والدراسات. صحيح أن التكنولوجيا قد غيرت طبيعة الكتاب وغيرت التعليم وطرق انتقال المعارف، لكنها سهلت طرق الحصول على المعارف ويسرتها وجعلت التعليم والتحصيل مسئولية مباشرة للقارئ، وعليه أن يُحسِن الاختيار من بين الكم الهائل من الغث والثمين المتاح ما يحتاج إلى معرفته وما يساعده في بناء نفسه وتطوير ملكاته ومواهبه.

نحن في مرحلة صعبة نقلت المسئولية من الأسرة ومن المعلم والمدرسة إلى المتعلم نفسه، وهو تغيير حاسم ومسئولية صعبة، وبخاصة في سن مبكر لا يكون فيها الدارس مؤهلا لحسن الاختيار. لكنها تقدم فرصا لم نحلم بها في الماضي لاكتساب المعارف والأفكار والتجارب والمهارات. 

-    برغم الجهد الكبير في الكتاب، والاستعانة بالمراجع اليمنية والأجنبية عن واقع ما قبل الثورة، في المقابل ألا نستحق دراسة أعمق لمحاكمة الثورة نفسها والثوريين الذين أسسوا جمهورية هشة عادت في النهاية بعد نصف قرن إلى المربع الأول؟

ليس هذا الكتاب تحليلا سياسيا لملابسات قيام الجمهورية والمعارك التي خاضتها وتقويم الفاعلين في أحداثها وتتبع أدوارهم، وتحديد مكامن الخطأ أو الصواب، هدف الكتاب محدد وهو التركيز على لحظة التحول الثقافي، وعلى الأخص في الأدب والفن والقيم وما يرتبط بها من منظومة تعليمية تحولت من شيوع الأمية والحرمان من حق التعليم إلى فلسفة جمهورية تعترف بحق التعليم لكل طفل في اليمن، وتم التركيز على نتائج هذا التحول من القديم إلى الجديد في مجال الإنتاج الأدبي حتى وجدت الأجيال الجديدة منتجات ثقافية يمنية لم تكن تخطر في البال قبل ذلك. وهكذا فتقويم مسيرة الجمهورية خلال العقود الماضية مسألة أخرى عسيرة ما تزال في حاجة إلى دراسة وإلى جهود أخرى كبيرة تنتظر من يبذلها.   

-    برأيك، هل ما زلنا نتناول قادة الثورة بتقديس أكبر من اللازم، هل ما زلنا نخشى التحدث عن أخطائهم؟

لا يوجد تقديس لقادة الثورة، بل إن بعضهم رحلوا قبل الأوان خلال المعارك التي خاضتها الجمهورية لتثبيت أقدامها وخلال الصراع مع قوى القديم المتجذرة في الواقع السياسي والاجتماعي المتوارث والمهيمن، وبعضهم ما يزال ينتظر الإنصاف والاعتراف بجهودهم الكبيرة، ولا يوجد ما هو خارج النقد الموضوعي شريطة أن لا نتناولهم بمعايير الوقت الراهن ونحن نعيش في زمن غير زمنهم، في ظروف مختلفة عن ظروفهم بعد أن أتيحت لنا معارف وخبرات وأفكار لم تكن متاحة لهم.. ينبغي أن ننظر لهم في ظرفهم الزمني والمكاني والاجتماعي والسياسي، على أن نعترف لهم بالشجاعة ونُبل الإقدام على التضحية في ظروف قاسية وسيف الجلاد مصلت على رقابهم والسجون تفتح أبوابها لابتلاعهم، ومع ذلك غامروا وثابروا وسجنوا وتعذبوا وبعضهم تشرد وعانى من الغربة المكانية والغربة عن واقعهم المرير الذي لم يكن يساندهم أو يتعاطف معهم إلا نادرا حتى في تشردهم وعذاباتهم.

-    من نموذج محمد محمد زبارة للكتابة إلى النماذج الحديثة والوصول إلى قمة الإنتاج الثقافي، لكن في المقابل لم نصل إلى قمة الوعي المنشود. برأيك أين الخلل؟

المسافة الفاصلة بين أسلوب الكتابة التقليدي ومعه ندرة الكتاب والمجلة الثقافية الذي كان سائدا قبل الجمهورية من جهة وما يحدث اليوم من جهة أخرى هائلة حقا. والسبب انتشار التعليم الحديث رغم ما واجه من معوقات، والتواصل السهل مع الثقافة العربية والعالمية، ومؤخرا توفُّر المعلم الأول (جوجل google) والانترنت.

لم تعد المشكلة توفر المعارف، بل من يستوعبها ويستفيد منها ويبذل الجهد في تأهيل نفسه والانصراف عن الأمور السطحية إلى الإنتاج الثقافي والإبداعي. الخلل الكبير أن نظام التعليم لا يساعد الطفل في اكتشاف مواهبه، ومن ثم لا يوجهه نحو توظيفها التوظيف الصحيح والربط بين التعليم ونظام الإنتاج والإبداع في جميع المجالات ومنها الإنتاج الثقافي، وجاء انهيار المنظومة الثقافية ومؤسساتها مؤخرا، على الرغم مما شابها من قصور، ليطلق رصاصة الرحمة على كل القيم الإيجابية في حياتنا الجديدة، وليس ما نشاهد الآن من ظهور بعض المواهب في مجالات الأدب والفن والإبداع سوى المواهب الكبيرة التي اكتشفت نفسها بنفسها وبذلت الجهد الذاتي الضروري لكي تفرض نفسها على واقع رديء ومحبِط. 

-    أخيرا، لو تلاحظ اليوم، هناك ما يشبه الصحوة المتأخرة من خلال المواد الثقافية اليومية يقودها شباب في وسائل التواصل للتعريف بمخاطر الإمامة وبأهمية الجمهورية، وتخرج عن النص للعودة إلى الجذور لليمن قبل الإسلام، وحركات باسم الأقيال والإكليلات وغيرها. كيف تنظر لهذه الأفكار؟ 

بكل أسى وحزن، تعيش اليمن في اللحظة الراهنة أزمة طاحنة، بل كارثة، انهارت فيها المؤسسات الصحفية والثقافية والفنية التي كانت الجمهورية قد أنجزتها بتعب وعناء وساهمت أجيال في بنائها، وتمزق النسيج الاجتماعي، وتراجع الإنتاج الثقافي والفني، وتدنى التعليم في جميع المراحل، واضطر جيل كامل من المثقففين والصحفيين اللامعين والمجربين للتشرد في الآفاق بحثا عن مأمن وعن مستقر وعن حرية الرأي والإبداع والنقاش والاختلاف، وحل اليأس مكان التفاؤل والتحرك إلى الأمام، وتراجعت دعوات التضامن الإنساني بين المواطنين اليمنيين على اختلاف مناطقهم وقبائلهم واتجاهاتهم السياسية وآرائهم الدينية ورؤاهم الفكرية، وهذه بيئة تعلو فيها الانتماءات الأولية ويزداد التمزق والتباغض، ويغيب الحلم العظيم والمشروع الحضاري المستقبلي الذي يتوحد الناس تحت ظله ويعملون معا للبناء والتنمية والإبداع، فعادت كل جماعة إلى موروثها الأولي الذي يميزها عما عداها من جماعات المواطنين، وسادت الأثرة والتمييز والكراهية والإقصاء.

هذه لحظة تراجع لا تستطيع أن تقدم مشروعا نهضويا حضاريا يقوم على المساواة واحترام الحقوق الإنسانية والمواطنة المتساوية لحشد غالبية المواطنين الأحرار على طريق بذل كل الجهود الممكنة للنهوض بالوطن، ولذلك سادت السلفيات المختلفة والمتنافرة التي تبحث لنفسها عن مبررات نظرية تراثية لمحاولة فرض مصالحها الأنانية وهيمنتها وغلبتها، إنها تخوض حربا صفرية دائمة لا تبني مشروعا نهضويا مشتركا، بل تساهم في الدعوة للعودة إلى القديم على حساب ما حققته الثقافة الجمهورية باعتبارها دعوة للتحرر من قيود الماضي وللسمو الروحي والمادي والانعتاق من موروثات الاستبداد وما خلَّفت لليمنيين من فقر وجهل ومرض شتات. 

اليمن في حاجة إلى حلم إنساني نبيل، ومشروع نهضوي عظيم يضع نهاية للحرب الدائمة التي لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد، يحقق التضامن بين قوى المستقبل في اليمن كلها، لوقف الكارثة التي تسحقنا جميعا، والاتجاه معا نحو البناء والتطوير ومحاولة تعويض ما فاتنا خلال سنوات الحرب والتمزق والتشريد. وما لم تهتدي النخب السياسية والاجتماعية اليمنية إلى صوغ هذا الحلم الإنساني النبيل المشترك والمشروع النهضوي المعاصر، فإننا سنظل ندور حول أنفسنا، يسحق بعضنا بعضا، فتزيد غربتنا عن عالمنا الذي يمضي بدوننا ولا يكترث لغيابنا وموتنا. ولن يضع نهاية للكارثة التي تعيشها بلادنا أحد سوانا. وفي ظروف الانحطاط الثقافي والقيمي السائد، فإن نهاية الحرب مع أنها ستوفر الحد الأدنى من الأمان فإنها لن تنجز المشروع الذي يحشد غالبية المواطنين وكل الموارد الاقتصادية والبشرية لإعادة البناء وبدء الانطلاق نحو مستقبل تحاول فيه اليمن أن تلتحق بعصرها الذي تبتعد عنه بصورة عبثية. فالفوارق التي تفصلنا حتى عن جيراننا تزداد كل يوم ونحن نوغل كل يوم في الغياب، ويزداد الضحايا وتزداد معاناة اليمنيين من الفقر والمعاناة والتخلف.