صفاء الهبل: تركت عيني تسجل الأحداث من زاويتي الخاصة، حتى لا أنجرف وراء الكراهية واللاحياة

كتــابــي

نصوص أدبية ساحرة الحروف، احتواها كتاب (ثلاثون حرباً.. وحب)، تجمع بين قصص من الشارع، ومشاهدات لوجوه الحرب بعين تحيل الخراب جمالا نصيا باذخا..

يصف حسن عبدالوارث كتاب (ثلاثون حرباً.. وحب) بأنه "كتاب مزدحم بصورٍ شتى وحالاتٍ مشتليَّة من بورتريهات الحب في زمن الحرب، ومن بروفايلات الكارثة التي عيشها المواطن اليمني اليوم جراء تداعيات وانزياحات هذه الحرب الملعونة، بما ألقته من أثقال بالغة الوطأة وشديدة الكآبة على ناس هذي البلاد، حتى وإنْ صادمتها حالات حب عصية على الانصهار تحت جمر المعارك أو حالات كتابة تأبى الانهراس تحت أقدام المتقاتلين.. فيما تتداخل كلها هنا في سنوات عمر صفاء نفسها، بما تضطرب داخلها من حالات حب وحرب .. وكتابة".

تحدثنا مع الكاتبة صفاء الهبل وطرحنا عليها بعض الأسئلة حول (ثلاثون حرباً.. وحب)..

-    بين القصة واللا قصة، كتبت صفاء كتابها (ثلاثون حربا وحب) محتوياً ذاتيات ترتبط بالآخرين، تحكي يومياتها والآخرين، من نوافذ منزلها، من نوافذ الباص، ومن تأملات الشارع.. هذا الاعتكاف داخل كاميرا العين، إلى أي مدى يمكنه أن ينسكب في الصفحات؟

ربما لأني لست على وفاق مع عين الكاميرا، تركت عيني تسجل الأحداث من زاويتي الخاصة، حتى لا أنجرف وراء الكراهية والحرب واللاحياة، مزجت بين الواقع وكاميرا العين سردا تحفيزياً للمقاومة الفعلية لكل مسببات الموت.

ليست الصواريخ والقذائف وحدها قاتلة! الكلمة قد تحيينا أو تقتلنا بالتقسيط المريح.

-    ثلاثون حربا وحب، تجربة نثرية مختلفة، كيف يمكن وصف محتواه؟ 

سأترك هذا السؤال لمن يقرأ

-    في أحد نصوص الكتاب، قلت إنك منذ بداية الحرب أصبحت تتشبثين بفكرة الحياة لا الوطن.. كيف يمكن الفصل بينهما؟ 

حيثما تجد نفسك مكرما لك حقوق وعليك واجبات، بالتأكيد سيكون الوطن.

الوطن ليست مجرد رقعة جغرافية محددة، قد يكون الوطن مشاعر دافئة، محيط آمن، قلب محب ..حين تجد وطنك الخاص، ستتلفت وتجد الحياة في كل شيء تريده، حتى في أصغر التفاصيل، تسعدك أبسط الأشياء وتدفعك لتقدم أثمن الأشياء سواء كانت معنوية أو مشاعر جارفة.. كثيرون يهاجرون ويرحلون بحثاً عن وطن وهم جثث متحركة، قلة فقط من يعيدون حياة الأوطان في أعماقهم.

-     نعيش في مسرح كبير يطل فيه الغول برأسه يدق صدره لشعبه العظيم يبشرهم بولادة حرب لا منتصر فيها سواه .. وحين ينتهي! يخفي رأسه وراء ستار. يرفع سماعة الهاتف يحدثهم:"

"دعوني انتصر اليوم، فقد بات شعبي يمل من ثبات كفة النصر" فيتركوه ينتصر! .. ببساطة ..

هذا النص الموغل في مسرحيته، إلى أي مدى يمكن أن يكون واقعيا في يمننا اليوم؟

 السياسة و"شد وارخي" هذه اللعبة التي تدور كالرحى لتنهش الإنسان البسيط، أما الأرض فهي لن تتغير، يخترعون مسببات للحرب والمعاناة يوما بعد يوم حتى أصبح الوضع أكثر تعقيدا، في حقيقة الأمر، كل الاطراف حلفاء في جبهة واحدة،  لو صبوا جهدهم في إيجاد حلول لكنا قد عُتقنا مما يحوم حول رقابنا من حبال وسكاكين ومقاصل .. 

-    أصبحت أصوات الطائرات في نصوصك موسيقى متنوعة، فقلت مرة إنها جعلت من السماء آلة ناي كبيرة، ومرة قلت إن لها إيقاع فاتن تخفي في إثره النجوم فتنتها.. ومرة شبهتيها ب الأبله الذي لا يحسن الإصغاء إلا لنفسه.

هل هو محاولة للانتصار بتحويل قبح الحرب إلى جمال مهما كانت قسوته؟

من منا يستطيع الاستمرار في الحياة دون أمل؟

فكيف لو كان في بلد تعيش حالة حرب مسعورة تنهش الروح إذا ما التهمت الجسد.. ربما خيال، وقد يراه البعض ساذجاً، لكن الحياة التي نعيشها تستدعي بعض الجنون حتى في الخيال.

-    مكتوب على اللوحة "استشهد في مأرب 2015".. هكذا ببساطة، استيقظ ذات يوم ودع أهله وجيرانه، سلم على جدران بيته، ذهب بعزم! رحل عنهم بيقين العائد بأحلام تختلف عن تلك التي بهتت وكان يحلم بها.." كيف يمكن للكاتب أن يوغل في أحلام الراحلين أيضا؟

في بلد مكلوم، مظلل بالظلم والحظ العاثر من قبل حكامه، أحلام الراحلين والأحياء تتشابه.. حتى أولئك الذين يرحلون بتذكرة سفر إلى بلد أخر، يحلمون أحلاماً، قد تختلف في تفاصيلها إلا أنها واحدة.

حاولت ترجمة أحلام الشباب، ترجمة صادقة، فمع اقتراب الموت تتشابه الأحلام في نيل أبسط الحقوق ومقومات الحياة .. البعض يفكر في الحرب والموت ومسبباته، ويندفع إليها كملجأ، والبعض يحاول تسخير اللحظة، الفكرة، الحلم، لينجو.

-    قلت إن "الكاتب يسعى للخلود بطريقة مختلفة ويموت بطرق متعددة فكلا من الروح والجسد يموت على حدة.. قد يقتل الكاتب جسديا إن قتله حرفه. ربما يموت فعلا والموت أشد فتكا من القتل، فحرفه كفيل له بخلوده في كل ما كتب".

لماذا يغرق الكاتب في كثير من الأحيان في دوامة الحديث عن الموت، حتى أولئك الشباب منهم؟

لا أستطيع الجزم لماذا، ربما محاولة في المواجهة والانتصار على المجهول الحاضر بيننا في كل لحظة!.. أو معايشة الواقع، فالموت حياة أخرى ولا أعتقد أبدا أنه مرادف للحياة، بل بداية جديدة.. وربما ترسبات لمرحلة المراهقة التي تزخر بالدراما والحزن والاكتئاب، فشبابنا في ظل بلد يلتهم الكوادر، والمنتجين، والمبدعين يعد موتاً من نوع أخر.

-    الكتابة عن الأشياء الاعتيادية اليومية، حذاء رياضي، صورة في الشارع.. كيف يمكن وصف هذا الاقتراب من الأشياء بالحرف؟

هذا الاقتراب الذي أقول عنه " الحياة تكمن في التفاصيل" مرآة حقيقية، هي كصديق حقيقي يستمر في نقل وقائع حديثك وتصرفاتك وردود أفعالك، نقدك .. تلك التفاصيل جزء منا ومن حياتنا لابد من عبورها عبر الحرف، فتفاصيل المكان والزمان والمكان تمنح كاميرا العين بعدا جديدا في مساحة المخيلة.

-    سألت نفسك وأجبت: "ماذا تعني لكِ الحرب؟

ان أفقد قلبي .. ان تُنتزع روحي فتتجمد شفتاي ولا أقوى على البوح بالحب. مالذي أفقدتنا إياه الحرب حتى الآن؟ 

 أفقدتنا البساطة في المشاعر والتعبير، جردتنا من مساحتنا القلبية وتركتنا نلهث خلف ما يمكن انقاذه، بينما نحن قادرون على إنقاذنا جميعا ودفعة واحدة.