الدملؤة.. حصن الأساطير والحقائق المخبوءة

مرايــا

قلعة (الدُّملؤة)، إنه ذلك الحصن الهائل في أطراف مديرية الصلو جنوبي محافظة تعز، ويسمى محليا (قلعة المنصورة)، والقرية التي تقع فيه أيضا تسمى قرية المنصورة.

إنها صخرة هائلة الحجم، تعاقبت عليها الدويلات منذ القدم، وورد ذكرها في مراجع عديدة، وحتى أصبحت جزءً من المحكي الشعبي سواء في كتب الأساطير أو في حكايات أهالي المنطقة وتعز بشكل عام.

تدور أحداث القصة الأسطورية (بشيبة ولا بكل الشباب) في هذه القلعة، وهي حكاية من الحكايات والأساطير الشعبية والتي وثق بعضها الكاتب الراحل علي محمد عبده في كتابه (حكايات وأساطير يمنية)، واحتوت عددا من المقولات التي أصبحت أمثالا شعبية سائدة، منها "عصيد ماعصيد، وحلبة ماحلبة، لكن زادت الحماميض"، ومقول "والله ماهو إلا عود التألب، أما الرب قد كان سيّب".

القصة الأسطوريى تحكي عن طلب من ملك القلعة (الدندكي) من أهالي قرية (الجنات) التي تقع أسفل القلعة بآلاف الأمتار، وبينها وبين القعلة هاوية سحيقة مرعبة.. 

كان ذلك الطلب هو نقل أخشاب من وادي الجنات إلى القلعة، وهو أمر شبه مستحيل، فقرروا أن يدّعوا الغباء وقاموا بتقطيع الأخشاب إلى قطع صغيرة، ونقلها بواسطة السِّلال للقلعة، ثم خضعوا لعدة اختبارات للتأكد من غبائهم، حتى وصل الأمر للتضحية بأحدهم كي لا يفتضح أمرهم، فضحوا بأحد العجائز، وكانت المقولة: "بشيبة ولا بكل الشباب".

لايوجد في كتب التاريخ شخص يدعى (الدندكي)، لكن كثيرا من الآراء تتحدث أن الحكايات الشعبية مع تناقلها بين أجيال حولت اسم الطغتكين بن أيوب لـ (الدندكي)، وهذا لايعني أن تكون الحكاية صحيحة، لكن الأمر مرتبط بالشخصيات التي حكمت هذه القلعة. 

وبعيدا عن الأسطورة فقد قال المؤرخ قال عنها المؤرخ محمد بن علي الأكوع أنها "قلعة شماء يقصر الوصف عنها وآية في المناعة وصعوبة المرتقى وطالما استعصت على المغيرين واستهزأت بالملوك والسلاطين ورجعوا عنها خاسرين ناكصين".

تاريخ بناء أول تحصين للقلعة  يعود إلى ما قبل الإسلام لكن حضورها الأكبر كان في عصر الدويلات اليمنية، خصوصا (الرسولية) و(الزريعية) و(النجاحية) و(الصليحية)، وكذلك الأيوبيين، كما أنها لعبت دوراٍ بارزا خلال التواجد العثماني في اليمن.

يوجد نصب تأسيسي جوار القلعة وكسر خلال السنوات الأخيرة إلى نصفين، وهو نصب للملك الأفضل يرجع تاريخه إلى (768) هـ.

أحد أبرز المراجع التاريخية التي تحدثت عن حصن الدملؤة هو كتاب الهمداني (صفة جزيرة العرب) الذي أورد أن "الدملؤه من عجائب اليمن التي ليس في بلد مثلها، وكانت بيت ذخائر الملوك وأموالهم" وأسماها أيضا قلعة بن أبي المغلس، نسبة لأحد ولاة دولة آل زريع على القلعة.

جاء على لسان الهمداني قوله: "قلعة ابن أبي المغلس التي تطلع بسلمين في الأسفل منهما أربعة عشر ضلعاٍ والثاني فوق ذلك أربعة عشر ضلعا بينهما المطبق وبيت الحرس على المطبق بينهم ورأس القلعة يكون أربعمائة ذراع في مثلها فيها المنازل والدور وفيها شجرة تدعى الكلهمة (بسكون اللام وضم الكاف وسكون اللام الثانية وضم الهاء وفتح الميم) تظل مائة رجل وهي أشبه الشجر بالتمار ولا تزال موجودة إلى اليوم وفيها مسجد جامع فيه منبر وهذه القلعة ثنية من جبل الصلو يكون سمكها وحدها من ناحية الجبل الذي هي منفردة منه مائة ذراع عن جنوبيها وهي عن شرقيها من خدير إلى رأس القلعة مسيرة نصف سدس يوم (ساعتين) وكذلك هي من شمالها مما يصل وادي الجنات وسوق الجؤة وبها مرابط خيل صاحبها وحصنه في الجبل الذي هي منفردة (يعني الصلو) بينهما غلوة قوس ومنهلها الذي يشرب منه أهل القلعة مع السلم الاسفل غيل بماجل غني وعذب وفي رأس القلعة بركة لطيفة ومياه هذه القلعة تهبط إلى وادي “الجنات” من شمالها ووادي الجنات هذا يشابه في الصفة “وادي ظهر” وهو كثير الغيول والمواجل والمسايل فيه الأعناب والرس مختلطة في أعاليه مع جميع الفواكه".

بيتان من الشعر وردا في كتاب الهمداني لشاعر يدعى محمد بن زياد المأربي يمدح أبا السعود بن زريع الهمداني:

ياناظري قل لي تراه كما هوه 

إني لأحسبه تقمص لؤلؤة

ما أن نظرتُ بزاخرٍ في شامخٍ

حتى رأيتك جالسا في الدملؤة الصعود على القلعة أصبح جزءً من المغامرات غير محمودة العوقب، فلا يستطيع أحد الصعود إلا قلة من المغامرين من أبناء المنطقة، لكن جميع الدروب تهدمت، وبقيت كثير من الآثار العملاقة كالسلالم الكبيرة التي مازالت صامدة تقاوم الدهر. في المقدمة باتجاه الشمال، كانت مداخل القلعة حسب الروايات التاريخية، لكن لايوجد شيء من هذا الآن، سوى ذلك النقش الضخم المكسور إلى نصفين أمام القلعة من الجهة الشمالية.. يقول النقش: "بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، أمر بعمارته مولانا ومالك عصرنا السلطان بن السلطان العالم العادل ضرغام الإسلام غياث الأنام سلطان الحرمين والهند واليمن مولانا السلطان الأفضل من الأنام والملك المجاهد أمير المؤمنين العباس بن علي بن داود بن يوسف بن عمر بن علي رسول - خلد الله ملكه ونصره- رفعت العتبة المباركة بتاريخ الرابع والعشرين من رجب سنة (ثمان وستين وسبعمائة) مؤيداً بالنصر والتوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم)). 

الطرقات إلى المنطقة وعرة، وزادت الحرب بلة حين سيطر الحوثيين على المناطق المؤدية إلى الصلو، وحاولوا إسقاط المنطقة عدة مرات وفشلوا في ذلك، فإطلالتها مهمة للغاية على خدير والدمنة إضافة إلى وقوع الصلو في موقع مواجه لكل من قدس وبني يوسف وسامع من الجهة الغربية.

تعد المنطقة إحدى أكثر المناطق إهمالا من قبل السلطات، فالطريق الوعرة الذي حماها من توغل الحوثيين أيضا منع عنها وسائل التنمية، وعبرت كابلات الكهرباء في المنطقة منذ زمن طويل لكن الأغرب أن تلك الكهرباء تذهب إلى مناطق أخرى ويكتفي الأهالي بسماع صفير الأسلاك.

لسنوات طويلة يدور الحديث عن رصف الطريق، إلى قرى الصلو، كونها من أجمل المناطق التي يفترض أنها تحتضن مركزا سياحيا رائعا، خصوصا مع قربها من تعز المدينة، فهي تشرف على منطقة الدمنة وورزان..

المواقع الأثرية أيضا هي الأخرى التي تشكو الإهمال والتخريب، وقد دمرت الكثير منها. 

وتعد الصلو إحدى أهم المناطق الطاردة لإبنائها، فمناظر الصيف الفاتنة المغرية هناك تنقلب إلى جبال جرداء في الشتاء، قليلة المياه، وهو الأمر الذي يدفع بالكثيرين إلى الخروج من المنطقة للبحث عن مصادر رزق.