حبيب سروري: (وحي) رصدت الاهتزازات الأولى في تاريخ عدن في السبعينات، وأحاول نقد الأفكار الظلامية وتكريس استخدام العقل والعلم في حياتنا اليومية

كتــابــي

تعد رواية (وحي) الفائزة بجائزة كتارا المرموقة في العام 2019 إحدى إهم أعمال الروائي حبيب عبدالرب سروري، وهي تلك الرواية التي تنسج الواقع المعاش لاستدراج التاريخ بأسئلة تكبر علامات تعجبها كل حين.. تلك الأسئلة التي تستدعي العقل والأسطورة والنص معا للوقوف على متطلبات العصر، وهي ذاتها التي وقفت في الماضي لتصنع التطرف والتطرف المضاد..

هنا نطرح على الأديب حبيب سروري تساؤلات حول ماجاء في "وحي".. 

-    أولا، اسم (وحي)، الرواية التي ربما تعد أحد أهم إنتاجات حبيب سروري، كيف يمكن وصف هذا الاسم إذا اعتبرناه جزء من حقيبة بريد مكتضة برسائل الرواية؟

"وحي" اسم جميل كثيف ذو شجون ومشحون بالألغام وبالأسرار، الأهم هو اسم او كلمة متعدده الأبعاد هناك مثلاً البعد الأدبي قديماً كان العرب يعتقدون أن الشاعر عندما يقول شعره يأتي (جني) من وادي "عبقر" في اليمن وتحديداً في حضرموت هو تابع للشاعر هناك في البيت الشعري المشهور:

وَلي صاحِبٌ مِن بَني الشَيصَبانِ

فَطَوراً أَقولُ وَطَوراً هُوَه

وبني (الشيصبان) قبيلة من قبائل الجن في الميثولجيا العربية، وهناك الوحي الديني شبيه به عندما يأتي للأنبياء من الآلهة، وهناك الوحي العلمي الذي يأتي عند أي اكتشاف علمي، "وحي" مختلف جداً وكل شيء يتم في الدماغ مرتبط بالتخييل، بالشغف، بالدراسة، بالسياق الزمني وأحياناً بالصدفة، فالكلمة تثير شجون كثيرة جداً واخترتها كعنوان للرواية لهذا السبب.

-    قال غسان البطل في الرواية في إحدى رسائله لـ(وحي): "الإيمان بالوحي يطمس التاريخ بالضرورة ويلغيه، ومن ينجح بفرض رؤيته إلى التاريخ، ينجح في قيادة الحاضر وتوجيه بوصلة المستقبل".. هل تعتقد أن لدينا أزمة رؤية مستدامة في فرض هذه الرؤية؟ على اعتبار أنها هي المستقبل أيضا!

في الواقع مهم جداً هذا السؤال باعتباره لو نلاحظ أن الحضارات مثل الحضارة الأغريقية، تجد أن منهجها كان منهج عقلي كامل، ويتم الوصول إلى الحقيقة عبر العقل والبرهان، لذا نلاحظ في (الأدويسا) تبدأ بصفحات طويلة للألهة أثينا وتعمل مرافعة أمام الآلهة، وفي جوانب أخرى كثيرة كان الوصول للحقيقة مبني على المرافعات والجدل والبرهان كما هو معروف، وهناك حضارة أخرى لوصول الحقيقة عبر المصعد الكهربائي أو بشيء من هذا النوع من السماء مباشرة فالموضوعان في غاية الأهمية والطريقتان مختلفتان للوصول إلى الحقيقه، وربما تلاحظ الآن مثلا حين بدأ مرض (كوفيد 19) نجد أن أصحاب منهج العقل بدأوا مباشرة بالبحث عن اللقاح وتبادل المقالات العلمية، واكتشاف اللقاحات الجديدة، وهناك حضارات أخرى كل شيء مبني لديها على الدعاء والرغبة في حل الموضوع بواسطة إلهية، فالموضوع مهم يجب أن تكون حضارة العقل من ناحية وحضارة الوحي من ناحية أخرى.

-    تستحضر دوما أبي العلاء المعري في معظم أعمالك، وبينها (وحي)،  هذا الرابط بينك وبين أبي العلاء وكأنه معلمك الأول.. لماذا؟

يعتبرأبو العلاء المعري حالياً المرجعية الرئيسية المهمة الأكثر والأنسب لواقعنا الحالي، باعتبار أنه صاحب عبارة "لا إمام سوى العقل" وسبق الحضارة الغربية بقرون في كثير من الرؤى التي تضع العقل كمركز لكل شيء، أيضا كان نيتشاوي قبل نيتشه له أبيات شعرية موجودة في روايتي (تقرير الهدهد) وغيرها، كان دارويني قبل داروين، على الأقل بشكل حدثي وليس كبحث علمي، ولكن هذا مهم أنه سبقه بقرون كثيرة، أعمدة تأسست الحضارة الحديثة عليها، وفصل بين العقل والدين بشكل جلي جداً والذي قال:  اثنان أهل الأرض : ذو عقــلٍ بلا ديــن وآخر ديِّنٌ لا عقل لهْ

وأشياء كثيرة جدا، كان جليٍ جداً في علاقته بالعقل، وروايته (رسالة الغفران) قليلون من يعرفون قيمتها والشيء الموجود فيها، وهناك حاجه للحديث عن أبي العلاء حالياً ليس فقط في واقعنا الذي يجهله ولكن دولياً، فعندما احتفل العالم في 2019 بمرور قرنيين على ميلاد داروين و 150 سنه على كتابه تم تكريمه وتعظيم كل ما كتب، كلمة صغيرة جدا مرتبطة بأصل وحدة الكائن الحي والتطور إلى آخره ونُسي أبو العلاء تماماً.

وانا أقرأ كتاباً بالأمس لأحد أشهر الفلاسفة في أوربا الذي هو (بيتر سلوتردايك) ويقول: إن أول من غزا السماء كروائي وشاعر وأديب هو دانتي"، وقبل قرنيين منه أبو العلاء في روايته (رسالة الغفران) والذي ضمت زيارة ابن القارح للسماء وتجول في كل أماكنها وشرح أشياء والتقى فيها كل الأدباء والكتاب، وأبو العلاء مجهول عالمياً لأنه مجهول عربياً؛ وهو ماسحب نفسه على الجهل العالمي فأعتقد أن إحياء مشروع "لا إمام سوى العقل" ضرورة مهمة جداً حالياً.

-    بين (طور الرعد) وعدن، مسافات وفضاءات حدثت بينهما اهتزازات كبيرة في وعي بطل الرواية، إلى أي مدى يمكن القول إن هذه الاهتزازات كانت واقعية في عدن ماقبل أحداث يناير أو مجزرة (ترموست الشاي) كما جاء أسميتها في الرواية؟

نعم عندك حق، الرواية رصدت الاهتزازات الأولى في تاريخ عدن في بداية السبعينات، صارت حينها عدن مسرح كبير لتجربة جديدة لمختبر جديد، وهناك أشياء جميلة ورائعة، وبعض الأفكار الحديثة والعلاقة بالعالم وبالحداثة، تجربة محو الأمية كانت تجربة في منتهى الروعة، وقانون الأسرة كان جميل جداً، لكن لسوء الحظ لم تكن مرتبطه بوعي شعبي عميق ولا حتى بوعي نخبة مخلصة حقيقية.. كانت مسرحية إلى حدٍ كبير؛ ولهذا من وجهة نظر روائية في منتهى الأهمية..

بالنسبة لي عدن واليمن بشكل عام منجم روائي غني جداً وثري، مرت فيه كل التجارب تقريباً من الماركسية اللينينية التي قلت عليها في السبعينات في عدن، إلى الآن الأسرة الكهنوتية السلالية التي تريد إعادة اليمن لما قبل التاريخ، فاليمن روائياً بحر كامل ومحيط لا ينتهي.

-    من بين تلك الاهتزازات ربما كانت شخصية قهاروف المتطرفة "ماركسيا"، هل هو وجه آخر للتطرف والتناقضات ضد الماركسية في مراحل أخرى من تاريخ المنطقة؟

حول الاهتزازات قلت بالفعل إنها قادت إلى تناقضات كثيرة جداً لاحظتها أنت في سؤالك قبل الأخير، وكانت تناقضات بدأت تجربة "ماوية" وبعدها "سوفيتية" وعشنا على ما تسمى بأيام السبع المجيدة، على غرار الثورة الثقافية الصينية وقام بها بشر لا يعرف شيء، مجرد أنه يقلد تجربة وبطريقة عنيفة..

بعض الرموز لهذه التجارب موجودة في الرواية أنت كما أوردت في سؤالك هنا كـ (قهاروف).. تطرف عنيف ولا أستغرب أن إنسان مثله يتحول إلى مدح آل البيت والسلالة الكهنويته. 

تغيرات مثل هذه الأطراف التي تدخل في أقصى تطرف، من السهل جداً أن تنتقل إلى تطرف من نوع آخر.. 

كثير من التناقضات عاشتها عدن، أتذكر كان هناك إنسان في منتهى الماركسية اللينية بعد حرب "ترموست الشاي" والتي هي حرب يناير 86 وكانت كارثة كبيرة وانتهت فيها كل الأحلام، أحد من كبار المؤدلجين بعدها مباشرة أذكر أنه أصبح يرفض السلام على المرأة باعتبار أنه متوضي ولا يمكن أن يمس إمرأة، وانتقل من أقصى نجم النجوم الماركسية إلى مواقف ظلامية، على الأقل في حالته كان تغير قناعات ولم يكن مضر، لكن الذين كانوا في منتهى العنف والتطرف سياسياً وانتقلوا الآن الى مواقع الكهنوت وحماية السلالة شيء أفضع بكثير.

-    التغيرات التي حدثت في الرواية والواقع، من حيث سرد الأحداث وورود أحداث حقيقة في داخلها كادعاءات النبوة وماحدث مع ثريا منقوش وغيرها.. كيف يمكننا مقاربة واقعين متطرفين من أقصى التوجه ضد الدين إلى أقصى درجات التشدد الديني في مدينة كعدن؟

التناقضات التي تحدثنا عنها سابقا كما قلت قادت إلى حرب "ترموست الشاهي" أو أحداث يناير، كانت كارثة لليمن ولعدن بشكل خاص ولكل الأحلام، فظهرت في الرواية أشياء كثيرة تحاول شرح مجموع هذه الاهتزازات التي ذكرتها أنت في أسئلتك.. مثل ادعاءت النبؤة بعد 86 ظهرت بشكل كبير وهذه تتم عند سقوط الأحلام الكبيرة ويظل الإنسان بدون أي إحداثيات يرتكز عليهاـ يعود إلى ما قبل التأريخ.

هناك أيضا حتى الشخص في رواية (وحي) الذي قتل ابنه بناء على وحي جاء له بالمنام بأن يقتله وقت صلاة الفجر لكي ينقذ البشرية وينقذ اليمن، حقيقة هذه الشخصية انطلقت من قصة حقيقة من شخص حقيقي قرر ذبح ابنه على طريقة النبي إبراهيم عند الساعة الخامسة فجرا، فكثير من الأشياء التي تشرح هذه الاهتزازات، تشرح تنقاضات المسرح، تشرح مصائر نماذج كثيرة جداً مثل قهاروف وآخرين انتقلوا من طرف التطرف الماركسي اللينيني الذي كان كاذبا لسوء الحظ، إلى كبار المدافعين على السلالة وأتحدث عن البعض وليس الجميع.

حاولت الرواية تشرح كل هذه الأشياء وركزت على حرب (ترموست الشاي) وأيضاً الرواي لعب دوراً كبير جداً بنوع من وعيه المبكر، من خلال رمز الثقب الذي كان في المسجد وشاهد فيه المسرحية التي تدور في الخلف عن قرب، ولهذا الثقب علاقة كيف نبتعد عن التاريخ الديني المبني على الأسطورة والخرافة، إلى التاريخ العلمي المبني على البرهان والتحليل العلمي والمنطقي.

-    إذا توغلنا في بعض الأحداث في الرواية، هل لحكاية الاختباء في بدروم البنك لعشرة أيام أثناء مواجهات أحداث يناير أو ما أسميتها بـ حرب "ترموست الشاي" علاقة بك؟

حكاية البدروم تحت البنك طبعاً كانت اختراع روائي ويبدوا أن كثيرين من الناس يعتقدون أنني عشت تلك التجربة، وأنني نمت أسبوعين في بدروم البنك بكريتر، وهذا يسعدني جداً لأنه على مايبدو أنني نجحت إلى حدٍ ما بصياغة الرواية والحدث كما لو كنت أنا الذي عشته بينما هو ابتكار كلي.

-    شخصيا، ماذا خلفت تلك المرحلة في وعي حبيب سروري؟ وهل توافق على ماطرحه منصور هائل إننا نعيش التاريخ مرتين أو أكثر؟

متفق كلية مع ماقاله منصور هايل، بالفعل ما نعيشه حالياً شيء محير جداً، حين جاء الربيع العربي واليمني حدث مثل الثقب في أرض مغلقة ومتخثرة من قرون طويلة، فبعد انفتاح الثقوب تطايرت الأوساخ القديمة، ويبدوا أن هذا مصيراً لنا ونتحمله جميعاً، باعتبار أنه لم يكن هناك جدل خلال قرون حول مواضيع حيوية ورئيسية، عن الحداثه، عن العلم عن العقل إلى آخره، ولهذا عادت هذه المواضيع بسبب الأمية الكبيرة جدا وبسبب حياة الطغاة والديكتاتوريات ندفع الثمن حالياً، فالطريق طويل وما زلنا مثلما قال منصور نعيد تكرار تاريخ قديم موجود حالياً في ظل أسرة آل البيت التي تعيدنا إلى الخلف بشكل من أشكال داعش بطريقة أو أخرى.

-    فيما يتعلق بالصراع بين العقل والوحي، تحاول كثيرا أن تمنح العقل أولوية معارضا لما أسميته على لسان غسان البطل "غزولة حياة العرب"، أي حديث الغزالي "لاقبول إلا بالعقل الذي يلزمه أن يتفق مع الوحي"..  هذه الرؤى التي تكرسها في أعمالك، إلى أي مدى ساهم سروري في تعميق هذه الأفكار؟

ربما ماقدمته هو محاولة متواضعة عبر بعض الروايات منها "وحي" وقبلها "تقرير الهدهد" وقبلها "عرق الألهه"، في نفس الإتجاه في مواضيع مختلفه، وهناك كتب فكرية مثل "لنتعلم كيف نتعلم" وقبله "لا إمام سوى العقل"، مجموع هذه الكتب تحاول نقد الأفكار الظلامية وتكريس رؤية علمية لنشوء الإنسان، لنشوء الحياة، ولاستخدام العقل والعلم في حياتنا اليومية، المشروع أيضاً طويل الأمد وهذه بدايات وبعضها، ساهمت ونقلت وغيرت وأثارت الجدل إلى حدٍ ما، يظل إلى حدٍ ما الحلم الكبيرلكن "نحن وهم والزمن طويل" كما يقول المصريين.

-    ماذا عن (مايا)، هل هي مدينة سروري الفاضلة، أم مدينة غسان؟

مدينة (مايا) والمدينة الفاضلة ربما تحدثت عنها في رواية أخرى التي هي (حفيد سندباد) فيها سيناريو، يشبه ما يدور حول العالم أزمة عميقة جداً، طبعا بدون جائحه، لكن بشيء شبيه لها، وخلال السنوات القادمة القريبة، الدعاية الموجودة والمدينة الفاضلة التي قلت عنها في سؤالك تشبه المدينة الفاضلة التي توجد في نهاية هذه الرواية، فيها يكون تناغم بين التكنولوجيا والميثولوجيا، يعيش عالم لايوجد فيها السيادة الساحقة الحالية للتكنولوجيا، ولمصالح رأس المال، وللتنافس المجنون من أجل التجديد الذي يخدم المصالح المالية والأسواق المالية أكثر مما يخدم البشرية والإنسان واحتياجاته الروحية، في المدينة الفاضلة الموجودة في نهاية (حفيد سندباد) أقرب إلى هذه المدينة التي يكون فيها التناغم بين التكنولوجيا والميثولوجيا، بين الشعر والعلم إذا أردت، بين المادة والروح إلى آخره.