المخرج فلاح الجبوري: لا أنتظر سوى العودة إلى بغداد، و"ليالي الجحملية" لديه مقومات درامية تنافس الأعمال العربية

وجـــوه

  فلاح الجبوري.. اسم حفر سيرته في شريط الأعمال التلفزيونية اليمنية طوال أكثر من عقدين، جاء من العراق بالصدفة إلى اليمن، وشاءت الأقدار أن تستمر تلك الصدفة لـ 26 عاما. خرج من العراق حاملا شهادة البكالوريوس في الإخراج السينمائي، وحصل على عمل في الإمارات، وظل في الأردن ينتظر تأشيرة لدخول الإمارات العربية المتحدة، لكن الصدفة قادته لزيارة اليمن أثناء كان منتظرا لتلك التأشيرة، وصل اليمن، ووقع في غرامها، فعاش في تعز، ثم صنعاء، بدأ بإخراج الإعلانات الدعائية لمجموعة من الشركات، ثم انتقل للعمل الدرامي التلفزيوني، وافتتح مسيرته في مسلسل (همي همك) الشهير، وأنجز منه سبعة أجزاء، ثم عمل على عدد من الأعمال، آخرها مسلسل (الجمرة) بينما أنهى حاليا تصوير جزئين من (ليالي الجحملية) الذي سيعرض في رمضان على شاشة (يمن شباب). يتحدث لشبكة الصحافة اليمنية-يزن، حيث استرقنا من وقته إجابات متقطعة خلال زحمة عمله.

-    أولا أردت انتظار تاشيرة في الأردن لدخول الإمارات، كان يفترض أن تنتظر شهرا، وامتدت حتى اليوم 26 سنة بعد أن تغيرت الوجهة إلى اليمن.. أما زلت تعيش حالة انتظار؟ 

الطموحات تتغير مع مرور الزمن ومع المراحل العمرية للإنسان، وأنا الآن في نهاية العقد الخامس من العمر ولا أنتظر سوى العودة إلى بغداد بعد أن أرهقتني سنوات الغربة .

-    كيف يمكنك وصف هذه المدة في اليمن؟ 

تجربة اليمن كانت قاسية بالنسبة لي وهي تشبه كثيرا النقش على الحجر، لسببين ، أولا أنا مخرج سينمائي ولم أمارس الاخراج التلفزيوني من قبل، وكما تعرف أن اليمن تفتقد للإنتاج السينمائي إلى يومنا هذا.

ثانيا أنا دخلت اليمن في منتصف التسعينات وحينها لم يكن هناك سوى قناة اليمن الرسمية، كان ذلك قبل أن تصبح قناة فضائية كانت قناة أرضية محلية، وكانت الدراما اليمنية متواضعة جدا ومحدودة، مما اضطرني للعمل سنوات طويلة في مجال الإعلانات التلفزيونية مع شركة فيدكوم ومن ثم عملت مع شركة ماس للإنتاج التلفزيوني والإعلاني التابعة لمجموعة شركات هائل سعيد أنعم، إلى أن جاء عام 2006 وأَطلقت أول قناة فضائية خاصة، وفي الأعوام 2007 و 2008 عرض عليّ أن أخرج الأجزاء الأخيرة لمسلسل (كيني ميني) وحينها اعتذرت من إدارة قناة (السعيدة) لكوني مرتبط بعقد عمل مع شركة ماس، وبنفس الوقت لم أكن متشجعا لإخراج عمل لم أشارك في تأسيس أجزائه الأولى.

وفي عام 2009 قدمت استقالتي من شركة ماس وبدأت أنا وفهد القرني بوضع أول لبنه لمسلسل (همي همك)، حينها شعرت بمسؤولية كبيرة وقلق كبير في كيفية تقديم دراما مختلفة وغير تقليدية وكان الجزء الأول لمسلسل همي همك.

-    هل تشعر ببعض العتب أنك أقمت كل هذه الفترة في اليمن ولم تحصل على جنسية طوال 26 عاما بدلا من الإجراءات الإدارية المكررة كل عام؟ 

العتب ليس على اليمن فحسب وإنما على حكومات البلدان العربية كافة لكونها تعامل أبنائها كغرباء بعكس دول الغرب التي تسهل إقامة العرب بل وتمنحهم الجواز والجنسية دون تعقيد.

-    يعد فلاح الجبوري من رقما صعبا في الإخراج الدرامي في اليمن، هل كان هذا الأمر مطمحا حين كنت تدرس الفنون في العراق؟ 

في فترة الدراسة لم أفكر ولو للحظة واحدة بأني سأعمل في مجال الإخراج التلفزيوني، سحر السينما كان مسيطر على طموحي، وكما يقال للضرورة أحكام وهذا ماحصل بالفعل بعد أن انهارت السينما العراقية بسبب الحروب والأزمات، ومع هذا أجد نفسي قد حققت شيء لا بأس به ويستحق أن أعتز به وأعتبره طموح .

-    كيف يمكن وصف العمل الدرامي بشكل عام في اليمن، وهل يرعبك المشاهد؟ 

البدايات عادة ما تكون صعبة والدراما اليمنية رغم كل الذي حققته لازالت مبتدئة وناشئة، أما المشاهد اليمني فهو من وجهة نظري هو الأصعب من بين المشاهدين العرب فهو يشاهد ويحلل وينتقد وكثير من الأحيان يمارس دور الرقيب ، وأنا أعتبر هذه الظاهرة صحية جداً لتقويم الإنتاج الدرامي .

-    اختلف الوضع بين بداية عمل فلاح في اليمن، وحتى اليوم، وتغير الواقع بفعل ارتقاء الأعمال الفنية الجديدة، هل تلمسون هذا المتغير حاليا؟ وماذا جهزتم له؟ 

في عام 2017 نجحت والحمد لله في تحقيق قفزة نوعية من خلال الجزء الأول لمسلسل (الجمرة)، هذه القفزة جعلتني أتوقف عن العمل لأكثر من عامين خوفا من العودة خطوة إلى الوراء، فقررت أن أبحث عن عمل أما أن يكون افضل من الجمرة أو على الأقل يكون بمستواه إلى أن جاء مسلسل (ليالي الجحملية ).. فمن وجهة نظري ليالي الجحملية يحمل الكثير من مقومات العمل الدرامي التي تجعله منافس للأعمال العربية .

-    إذن تعتقد أن (ليالي الجحملية) سينافس عربيا، بماذا يختلف عن "همي همك"؟ 

لو صنفنا مسلسل همي همك فهو يعتبر كوميديا ساخرة بينما مسلسل ليالي الجحملية دراما مكتملة الأركان تقريبا وهو مختلف تماما من حيث المضمون والرؤية الاخراجية.

-    ماهي أهم التحولات التي حاولت إخراجيا أن تخلقها في (ليالي الجحملية)؟ 

طبيعة النص في ليالي الجحملية والأمكانيات الفنية والتقنية التي توفرت لي، مكنتني من وضع رؤية إخراجية شاملة وجديدة على الدراما اليمنية ، والتحولات سيلاحظها المشاهد اليمني .

-    كيف يمكن وصف جو العمل خصوصا إنه ينجز خارج الجو العام عن اليمن، وأنت اعتدت العمل في الصحاري والسواحل والجزر والجبال اليمنية؟ 

حاولنا جاهدين بأن نقرب من البيئة اليمنية ولاقينا صعوبات وتعقيدات خصوصا وأن نصف أحداث المسلسل تدور في سوق شعبي في تعز، وتمكننا من تجاوز هذه الصعوبات بوجود ميزانية إنتاجية تعتبر ضخمه ساعدتنا في بناء ديكورات مطابقه إلى حد ما للطراز اليمني، وبوجود جالية يمنية كبيره في الأردن ساعدتنا في استقطابهم وضمهم إلى العمل بأدوار متفاوته مابين تمثيل وشارك في التمثيل وكومبارس.

-    تعملون على جزئين لـ (ليالي الجحملية)، هل تصوير جزئين في نفس الوقت لصالح العمل؟ 

تصوير جزئين في نفس الوقت ربما يكون لصالح منتج العمل ولكن فنياً بالتأكيد هو يؤثر على جودة العمل .

-    بين (همي همك)، ومابعده ، كيف يمكن وصف الواقع الدرامي اليمني بشكل عام؟ 

همي همك جاء في فترة كانت شبه خالية من المنافسه في مجال الإنتاج الدرامي، وهذا كان أحد أسباب نجاح المسلسل رغم ضعف الإمكانيات الإنتاجية التي أنتج فيها، وفي السنوات الخمسه الماضيه شهدت الساحة الدرامية ظهور منافسين مهمين وهذا ماكنت أتمناه وانا أصور الجزء الأول لمسلسل همي همك، فكلما زاد عدد المنافسين كلما ارتفع الخط البياني في جودة الأعمال الدرامية.

-    هل ترى أن هناك تغير في المزاج العام يلزمك التغير معه؟ ولو قلنا همي همك اليوم، هل مازال عمل يصلح فنيا لواقع اليوم أم تغير بتغير الظروف ووسائل التواصل؟ 

المزاج العام هو أكثر مايقلقنا، وكلما خضعنا له نجد أنفسنا قد أثرنا حفيظة مزاجات جديدة لم تكن في حساباتنا.. همي همك كان مقبولا في حينه ولا أعتقد يصلح في وقتنا هذا، والأمر ينطبق على جميع المسلسلات والأفلام الدرامية، المسلسل المصري ليالي الحلميه خير مثال على ذلك، فالأجزاء الخمسه لاقت نجاحا منقطع النظير ولكن حين أنتج الجزء السادس بعد مرور 21 لم يلاق ذلك النجاح .

-    من أكثر الانتقادات لكثير من فناني اليمن هو الأداء الذي يتسم بالمبالغة في أداء الدور الهزلي حد الاستهبال إذا جاز الوصف، هل تتفق مع هذا الحديث، وكيف يمكن الحفاظ على المسافة بين المبالغة وضرورات الأداء؟ 

اشاطرك الرأي، المبالغة في الأداء والإسفاف مطب يقع فيه الكثير من المخرجين والممثلين بما فيهم أنا، ولكن بعد أن تلقينا الكثير من الانتقادات حاولت جاهدا في الأعمال الاخيرة أن أسيطر على هذه الظاهرة السلبية وتقييد الممثلين ضمن إطار أبعاد الشخصية العفوية والبعيدة عن الاسفاف .

-    الكوميديا الساخرة ربما هي من أصعب الأعمال، كونها تهدف لإبهاج المشاهد، هل تعتقد أننا نشهد أزمة نص لإنجاح هذه الأعمال؟ 

أزمة النص مشكلة تعاني منها كثير من البلدان العربية وأعتقد أن اليمن في مقدمة هذه البلدان ولهذا يضطر بعض المخرجين وبعض الممثلين للاعتماد على أنفسهم في كتابة النصوص الدرامية.

-    في سياق الحديث عن أزمة النص، ماهي أبرز الإشكالات الأخرى في الدراما اليمنية؟

الساحة الفنية في اليمن تعج بالممثلين البارعين من الجنسين وبمختلف الأعمار، واليمن بتاريخه المعاصر وبحاضره عبارة عن منجم ضخم للقصص المثيرة وغير المستهلكة والإشكالات الرئيسية تكمن في كتابة النص وجهات الإنتاج وأعتقد أن هذه الإشكالات ستتلاشى مع مرور الزمن وتنامي الخبرات وزيادة المنافسين .

-    من خلال معيشتك في اليمن عقدين ونصف، بقيت الأعمال الدرامية غالبا بعيدا عن توثيق تاريخ اليمن بشخوصه الكبار.. أين تكمن المشكلة؟ 

الدراما التاريخية تحتاج إلى كتاب متخصصين في هذا المجال وأعتقد هذا غير متاح في اليمن، وكذلك تحتاج إنتاج ضخم في بناء مواقع تصوير تلائم الحقبة التاريخية لقصة المسلسل وهذا ينطبق أيضا على الملابس والاكسسوارات والمكياج .

-    التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعية، ماذا أضافت وماذا أفقدت الدراما؟ 

قبل ظهور الانترنت ومواقع التواصل، كانت الأعمال الدرامية يتم تقيمها ونقدها من قبل المختصين في مجال النقد الفني عبر الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزيون، أما المشاهد العادي فكان يقيم وينتقد ضمن دائرة علاقاته الضيقة جدا في إطار الأسرة والأصدقاء ، إلى أن جاء الانترنت و مواقع التواصل فأصبح المشاهد العادي يشاهد ويحلل وينتقد في فضاء مفتوح وشاسع، وأعتقد أن مواقع التواصل أضافت إلى صناع الدراما الكثير من الوعي والكثير من القلق  وفي ظل هذه الحالة الصحية لم تفقد الدراما أي شيء.

-    أين فلاح الجبوري كمخرج منذ انتهاء همي همك في جزئه الأخير؟ 

منذ بداية الحرب في اليمن أصبح الإنتاج الدرامي ليس بالأمر السهل وفي كل سنة تتضاعف الصعوبات وتزداد تعقيدا، وكان الجزء الأخير من همي همك سنة 2016 بمثابة خطف لقمة من فم الأسد، وفي سنة 2017 حاولنا أن نعمل في المناطق الآمنة البعيدة عن الحرب وكان مسلسل (الجمرة) الذي تم تصويره في وادي الذهب في مدينة تريم، ومع استمرار الحرب ابتعدنا أكثر عن كابوس الحرب وكانت الأردن هي المحطة حيث صورنا جزئين لمسلسل ليالي الجحملية، وحاليا نتهيأ لتصوير مسلسل آخر في الأيام القريبة.

-    أخيرا.. ماهي أسوأ لحظة عشتها في اليمن؟ وهل فكرت يوما بترك اليمن؟

أسوأ لحظة كانت بداية الحرب، أنا عراقي وأعرف جيدا ماذا تعني الحرب، حين بدأت الحرب في اليمن كنت أشاهد في مخيلتي شريطا سينمائيا لما سيحدث لليمن .