عبدالرحمن بجاش: أنا ابن المكان حتى اللحظة، لا أبرحه حتى أشربه إلى قاع الكأس

كتــابــي

يعد كتاب (حافة إسحاق) للصحفي والكاتب عبدالرحمن بجاش أحد أبرز الكتب التى تغوص في ذاكرة الأمكنة اليمنية. الكتاب مساحة لاستعادة تعز في فترة ماقبل الثورة ومابعده في فترة نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، حيث عاش الكاتب سنوات خروجه الأولى من القرية في منطقة قدس بالحجرية، وانتقاله إلى المدينة ثم قدوم مرحلة الثورة وانطلاق المدارس والسينما وغيرها. استذكار بجاش للتفاصيل بتلك اللغة الأنيقة، والأقرب للحكي، يشعر القارئ أنه يغوص في أزقة شارع 26 سبتمبر والباب الكبير وتلك الأحياء التي نقل صورتها بالحروف في كتابه. عن بعض التفاصيل نتحدث مع الكاتب لنلقي بعض الضوء على الضوء المسكوب في سطور الكتاب.

 

أولا أستاذ  عبدالرحمن.. حافة اسحاق..لماذا الحنين لتلك الأيام على قساوة بعض تفاصيلها؟  لأنها بداية التشكل، تشكل الوعي، الخروج إلى الدنيا من قرية كان أهم معالم حدودها جبل مطران والجهة الأخرى عدن .. كان الخروج الأول هو من شكل وعيي بالحياة من حولي، وتعرف أن المعاناة هي من تشكل حتى رغبات الواحد منا .

قد يبدو الحنين إلى أيام القسوة غريبا، لكن الأمر ارتبط بالتشكل الأول للذاكرة، أيام القسوة فيها كل التفاصيل الحميمة، ثم أنا ابن المكان حتى اللحظة، لا أبرحه حتى أشربه إلى قاع الكأس.

-    ركزت في كتاب (حافة اسحاق) على فترة زمنية معينة من حياتك ربما فترة استمرت سبع سنوات، هي دخولك من القرية إلى تعز، حتى بداية الانتقال إلى صنعاء.. هل سيكون (لغلغي في صنعاء) مواصلة لذات المسار؟ 

سيصدر قريبا " لغلغي في صنعاء " اتمنى عليك أن تقرأ : " حكايات العم قاسم، وتعيد التجوال في الحافة، وتنتهي باللغلغي ...ستجد الجواب ..

-    ضم (حافة إسحاق) مقاطع وصفية تشرد بالقارئ وكأنه في فصل من رواية، كتلك الحكاية الخاصة ببعض أبطال الكتاب خصوصا الأشخاص الذين كانوا في مرسيليا، أصبحت راوياً في هذه المشاهد رغم عدم وجودك هناك، هل يمكن أن نرى رواية متكاملة بمعناه الأدبي لعبدالرحمن بجاش؟ 

أتمنى أن اجد وقتا بين القلق والهموم العامة لابحث عن بجاش الروائي ..

-    اليوم.. ماهي المعالم التي يزورها بجاش في تلك الأماكن الموصوفة في الكتاب؟ 

منعتني الحرب اللعينة من التواصل مع نفسي المذرذرة هناك في زوايا الحافة، في شارع 26 سبتمبر حيث كنت أختار غبش الفجر، فاحتل كل كل زاوية، وأمر بيدي على أبواب الدكاكين، وأحاكي الجدران، وأهمس إلى باب دارالقلم القديم، أبدأ رحلتي مع شيخي الأكبر عبدالرحمن قحطان حيث أصلي بين يديه، وأنهي احتلالي للشارع في الجلوس في نفس الزاوية التي كنت أجلس فيها على الكرسي الخشبي في مقهاية الإبي، أنطقها هكذا مقهاية كما ينطقها كل البسطاء.

وفي مرات أخرى نذهب وأحمد الدجنة جندي المرور إلى الشاهي " العصملي " في السمسرة أمام بيت عبد العزيز عقلان، ويحرص على أن يذهب بي آخر يوم إلى الشنيني، يكرمني باربع حبات جبن ترافقني إلى صنعاء.

الحرب ياصاحبي حرمتني من بيت المخلافية وبيت صدام، وتلك الساحة المثلثة حيث كنا نلعب الدروانة ونسوق بقايا الإطارات بايدينا.. افتقدت بيت أنور وعصيوران وصوت زوجة غشيم وعمتي زوجة صالح الآنسي أم خالد ...ومناداة العبادية "واعبدالرحمن لاغيبك " ...أنا ضائع الآن.

-    أوردت لمحة بسيطة عن صراع المشائخ الذي تسبب بسجن والدكم الشيخ قاسم بجاش في تعز وصنعاء.. ألا تستحق تلك التفاصيل شهادة موسعة يتضمنها كتاب؟ 

لا ..ليس بسبب صراع المشائخ ...ففي المرة الأولى وقف مع الشيخ أمين عبد الواسع نعمان عندما حاصره أحمد الرحومي في مبنى المحافظة، والاعتقال مرة ثانية أيام الأهنومي وزير الداخليه يومها، فقد كان مع البيان الشهيرالذي طالب بعدم تدخل ضباط الجيش المصري في الشأن العام، وخلع البدلة والكرافتة يوم أن حدثت النكسة.. والدي وعبده محمد الحروي حسب تعليق ستراه في صفحتي للعم المناضل حسين السفاري أرسلهما عبد الغني مطهر إلى عدن لينقلا ساعة صفر ثورة 26 سبتمبر إلى من كانوا هناك من الأحرار.. بالفعل في ذهني فكرة لملمة أوراق مبعثرة هنا وهناك للم شملها في كتاب.

-    كنت شاهدا على كثير من المراحل السياسية، وكنت أنت أو الوالد في قلب المشهد، هل تحجم عن الغوص في التفاصيل السياسية زهدا أو بعدا عن تقليب مواجع؟ 

درست في تعز حتى ثاني اعدادي، كان يومها وعيي لم يتشكل بعد،وإن كانت عيني وأذناي نشطتان ..

في الكتاب أوردت مايشبه التوثيق البصري بالكلمات عن تلك الفترة، وصف السيارات، السينما، الملاعب، الحلوى، الشوارع، الملابس.. هل فكرت في سنوات سابقة بتوثيق تلك المراحل بصريا بشكل حقيقي، خصوصا أنك تعشق الكاميرا أيضا؟

حاولت التوثيق، لكن كثيرا مما احتفظت به فقدته، إما بسبب عدم إدراكي مبكرا أهمية مامعي، والتنقل بين البيوت أفقدني الكثير أيضا، ولاننا وبصدق لم نتربى على تنظيم أمور حياتنا السبب الاكبر في فقدان كثير مما معي، وبين ملفاتي وكتبي ومكتبتي لايزال الضائع  أكثر من الظاهر.

-    تحدثت عن مدرسة ناصر باقتضاب وألم، هل يمكن أن نغوص في تفاصيل عن تلك المدرسة؟ 

مدرسة ناصر ربما ذكرتها أكثرمن الثورة والكويت والشعب، بحروف مبعثرة في أعمدة كثيرة  بالأمس فقط كنت في الشارع، لاأدري لم وجدت نفسي أدندن ب: "بم شيكا بم، بم شيكا با، أهلا أهلا أهلا..أهلا مرحبا" كان أحمد سلام نعمان يدرب فرقة " الفتوة" وفرق الفتوة كان ينشئها المصريين، يتم تدريبها شبه تدريب عسكري، كان الجميع يعيشون فترة الحلم ولديهم استعداد للدفاع عن الثورة والجمهورية، ولن نذهب بعيدا فاللواء عبدالله عبده علي، ود. لواء محمد علي مقبل ،واللواء علي الشيباني كانوا يدربون أفراد المقاومة التي شكلها وصرف عليها عبد الغني مطهر، كانوا يدربونها على ساحة مدرسة ناصر.

وفي صباحات تعز أجمل صباحات المدن، كانت أصواتنا تدوي كل صباح على إثر صوت الأستاذ صادق: مدرسة صفا، مدرسة انتباه، كان دوي الصوت الموحد يملا سماوات تعز: تحيا الجمهورية العربية اليمنية ...كان الأستاذ عبد الرؤوف نجم الدين يقود هتافنا للثورة والجمهورية والحلم، لحقه المدير ذياب الذي كان يحبس محمد الجهمي لاعب الكرة الفذ، يحبسه في غرفة بجانب "المقصف"، حتى إذا هل الخميس أخرجه كالخيل الهائج يحرث الملعب نصرا تسمعه تعزكلها على فريق مدرسة الثورة الابتدائية " الأحمدية " بقيادة الصبري ...كانت الأنفس أيامها تواقة إلى الفجر، فكانت مدرسة ناصر محور الكون مشرفة على أعظم شارع في البلاد مر منه الثوار والسلال وفيه ازدحم الكون كله ببشر تدفقوا كموج البحر يستقبلون جمال عبد الناصر.

يأتي محمد عبد الرب مديرا لناصر فيعلمنا أيضا كيف نستخدم فرشاة اللون ونرسم وجه السلال وعامر والحياة التي شخبطناها أشكالا على الورق الملون .

مرحلة عظيمة انعكست في ذلك النشيد الذي جاء به الحسيني من العراق كنا نريده كل صباح والخط الواحد في الطابور تجده طلبة من يافع إلى صعدة، تعز تحتضن حلم البلاد كلها، كنت اردد مع زبارة وغازي المفلحي وصالح رحمه الله وعقيل من الضالع وعبدالحليم محمد عبدالله واحمد مفرح وابن غشيم والشرعبي وساحة تعج باليمن : 

لنا الغد الموحد 

لنا الصباح الأسعد 

بشراك آن الموعد 

يا أمتي لنا الغد. 

وفي مدرسة ناصر كانت النداءات كل صباح تتردد: من يريد الالتحاق بالكلية الحربية فليسجل اسمه، ليتدافع طلبة زملاء كثر أيام أن كانت كلية البدايات لاتسأل من أين أنت؟ وإلى كلية الشرطة التي لم تكن ترمي بالملف إلى وجهك عندما تذكر أنك من تعز!!! تتزاحم الصور في الذهن كثيرة بلا حدود …

مايؤلمني حقا هو أنه جرى سحق المبنى بما يعنيه، وجرى سحق مبنى مدرسة الثورة الإبتدائية الذي شهدت تشكل نواة الثورة الاولى !!!!

جرى سحقهن كما سحق دار الضيافة كما يسحق الآن اوقد سحق متحف تعز …

-    إلى أي مدى يمكن للذاكرة الشخصية أن تشكل شهادة تاريخية عن فترات زمنية اختلط فيها الشخصي بالسياسي؟ 

يعيب الذاكرة في هذه البلاد أن اصحابها الكثرلم يسجلوا يومياتهم، ولم يكتبوا - وقدكانوا في خضم الفعل - سيرهم الذاتية، ما احدث فجوة كبيرة في الذاكرة الجمعية للبلاد .. عندما أعيد تصفح كتاب عبد الغني مطهر وهو صاحب معظم الفعل،أتحسر على الأجيال التي لن تعرفه لضحالة محتواه، وضعف صياغته من كاتب استمع  فلم يستطع أن يخرج من الرجل ماكان مفترضا أن يخرج !!! كثيرين ذهبوا وذهبت معهم ذاكرتهم وأحداث عظام شاركوا فيها والقائمة طويلة جدا...خذ ذاكرة المكان فقد ضحك من ضحك عندما قلت ذات صباح إنني لوتفرغت عامين فقط في تعز، لخرجت بمجلدات، من ضحك لايعرف ولايدري ماذا تعني مقهاية الإبي وشارع 26 سبتمبر … كتابة التاريخ تبدأ من الذاكرة الشخصية بالتأكيد …

-    إلى أي مدى يمكن أن يشعر الأستاذ عبدالرحمن بجاش عن الرضى بما قدمه صحفيا؟ 

أنا راض عن نفسي ومتصالح معها ...ومهنيا أواصل التعلم ….و المهني لايتقاعد أبدا.