(حصتنا من السماء) لسبأ حمزة .. التشكيل الشعري الأنثوي.. الجمال في مواجهة العناء!

د. فارس البيل أكاديمي وناقد.

تدلف المبدعة سبأ حمزة إلى عالم الشعر، محملة بكثير من البراعة، لتنتج نصوصاً شعرية كثيفة الدلالة، متوسلة بحقل لغوي مثابر بقصد اقتناص الجملة القادرة على تشكيل الصورة الشعرية، والخيال يصاحبها بمزج أنيق، وغايتها رصد الهم الذاتي والجمعي، ومعالجة الواقع المجتمعي بكثير من الصدق وحرارة التجربة والمعاناة.

يقوم هذا الديوان الوليد ويفصح عن موهبة شعرية خصبة، قادرة على التشكيل والبوح الشعري، وتوليد الدلالات من كلمات بسيطة، وجمل منفتحة، وتعبيرات عصرية.

إذ يبدو واضحًا تأثر الشاعرة مثلاً بأشعار درويش ونفَسه الشعري، وطريقته في النسج والجملة الشعرية، يلحظ ذلك القارئ في أعطاف بعض القصائد، وهذا مدعاة للفرح والاستبشار، فالجملة الشعرية الحديثة القادرة على التناوب والتقابل بين الكلمة والمعنى، واجتراح الصورة الأنيقة الملتحفة بالسهولة والعمق في آن تنبئ بشاعرية متينة.. 

هكذا تستفتح الشاعرة ديوانها، بامتياح جملة أثيرة لكنها تحيلها إلى هم ذاتي:

"في البدء كانت الخطيئة 

 ثم كانت الغربة 

 وهكذا افتتحت الحياة على وجه الأرض. 

 الأرض منفى منذ بدء الخليقة"!

تبدو بوضوح قدرة الشاعرة على صوغ المشكلات والمآسي؛ الفردية منها بضمير الأنا أو المخاطب، أو تلك المعبرة عن الجماعية بضمير الأنا أو الغائب أيضاً.

هذا الصوغ المدرك لحمولة الشعر بدا بارعاً ونافذ المعنى في كثير من الأحيان، إذ يمكن الإشارة هنا إلى هذه الجملة البارعة بصورة مكتنزة حديثة ومملوءة بالدلالة والاختزال:

"كيف نعرف أننا نكبر؟ 

بالنظر إلى فنجان القهوة الصباحي 

حين يتكرر 

ووجهتنا في السوبر ماركت 

نحو لافتة تشبه مذاق حياتنا 

"خال من السكر""!.

تنثر الشاعرة ملامح حداثية بصور غير مألوفة وغير تقليدية في ديوانها، وهذا دليل على الاطلاع، والقدرة على الصوغ الشعري بكثير من الاقتباس والاستفادة من الأصوات الشعرية العربية الناضجة.

لقد اختارت الشاعرة عدم العنونة للمقاطع الشعرية؛ فكانت مقاطع الديوان حرة التنقل وحرة الفكاك من أي إطار.. لذلك تنوعت من المأساة والموت إلى الوجدان الخجول المراوغ واللذيذ، وكذلك الغربة وغيرها، وهذا ملمح شعري متفرد، غير تقليدي ومنطلق وغير متكلف. 

الثيمات الضاجة في الديوان تدور بين الغربة والارتحال والفقد وحياة متشظية غير مكتملة والموت المضرج في أرجاء القصائد، وهذا القدر النازل بكثير من الأسى، فترى الحياة هنا تحاول الاستقرار كل حين، تحظى بلحظة عناق حقيقة، أو استقرار، لكنها حياة مبتورة بيد أنها مثابرة وتتمسك بقشة.. يختزلها مثل هذا الصوت: 

"أيها اليمني  

من أين لك كل هذا الأمل؟!! 

من وجودي، 

ماضٍ في حضرة المستقبل". 

وعلى غرار المآسي وهذا الكفاح الذي تقدمه دلالات القصائد تظهر الأنثى المحتفلة بممكناتها الجمالية في القصائد بوضوح.. كما لو أنها تقاوم كل هذا العناء الواقعي بزهر الروح، وهذه الغربة الممتدة بجديلة تتنفس الريح: 

"تنسل إلى شفتي 

تذوب 

وأذوب 

وتبقى جدائلي ونسيج الشمس". 

ولأجل ذلك تحشد الشاعرة في قصائدها مفردات الرفاهة والحب والجمال، كالعطر والضوء والورد والعناق والقبل والخصر والانتظار والبخور...الخ

في محاولة لتطريز القصائد بالحياة والحب المقاوم للعناء والمآسي.. في جدلية الفرح المقاوم للقدر الأسود. 

وستلاحظ الديوان يحتفي باللون والبهجة وإن بدت هذه المفردات تتعاور مع حقل الموت والغربة والعناء.. في صراع مستمر على مدى الديوان.

وبين الوطن الذاتي، والوطن المكان، والوطن السلام النفسي، والوطن الإنسان، والوطن اللجوء، تتنقل الصورة في الديوان بشكل يحاول لملمة الدلالة والتنويع الشعري الفني مع الإمساك بالقضية ونقاش الوجع قدر الإمكان.

وبالعموم؛ فإننا أمام تجربة شعرية ما تزال تحاول بكثير من الحماس الوصول إلى صفاء الجملة وبراعة الدلالة باختزال أكثف ومعانٍ أكثر إدهاشاً، تعتمد المقابلة والمقارنة، واستدعاء التراث وتوظيف الموروث، والتأثر بالمحكي الثقافي العام، وبلغة سهلة؛ لكنها مدهشة متنوعة الحقل الدلالي، القادر على الخلق والتجديد وإن بدت متأثرة بجمل تقليدية، لكنها تثابر نحو التميز وصنع بصمة شعرية ومعنى لم يألفه القارئ كما سنلاحظ. 

ولعل الأغنى في الديوان هي هذه الدلالات والأفكار الشعرية، والمثابرة على تشكيل كثير من القضايا في قالب سهل، وجمل كثيفة، بسيطة، لكنها حمالة لكثير من الأبعاد والمقاصد، تترجم معاناة الكل، لا الذات وحدها، وهذا سبيل التمكن الشعري. 

لقد عالجت نصوص الديوان كثيراً من القضايا والشجون، وحشدت أكثر ما يألفه القارئ ويعتاشه من مآسٍ ومشاعر ومواقف مكرورة في حياته اليومية وسط هذا الخراب، وإن كانت بحاجة لبعض الجمل الشعرية التي توجز ذلك فتخلد في الذهن، وتجذب القارئ كقاعدة يتخذها مثلاً وحكمة. 

إننا أمام تجربة شعرية متحمسة للصعود، والإدهاش، وهذه التجربة تنبئ عن طاقة شعرية مخبوءة داخل الشاعرة، ينتظرها البوح والصوغ الذي سينفتح على كثير من التجارب الشعرية ويستمد الكثير من اللغة الممتدة، لينتج لنا شعراً مغايراً، شعراً له القدرة على نقل وجع الحياة والذات وهموم الجمع وقضاياه بقوالب فنية تختصر الموقف وتومض بأطواق النجاة.  وإن بدا بعض التعثر في الإيقاع الشعري وضبطه، وسلامة الوزن، إلا أن الجملة الشعرية المتجاوزة ستألف الانسجام وتثبت في مسار شعري ممسوق وهامس غير نافر في تجارب قادمة. 

ففي لحظة الانسياق وراء النص النثري والسرد الذي يفرض نفسه الآن، سنجد هذا الديوان كما لو أنه يعيد الالتفات للشعر بوصفه الأجدر في التعبير عن أدواء الإنسان وشواغله ومشاعره المختلفة، وأن يأتي أيضا هذا الشعر بصوت نسوي بارع ومثابر؛ فهو دليل ينضاف إلى تفرد هذه التجربة وخوضها غمار التشكيل الإبداعي المتفرد الذي لا يخضع للسياق العام، إنما يقدم نفسه بكثير من الثقة والانتصار للشكل الشعري من ناحية، وللصوت النسوي الجمالي من ناحية ثانية. 

فهنا صوت شعري نسوي، متحفز، ومثابر، وممتد بلا انحياز ضيق، إنه صوت نسوي ناضج يحتمل هم الحياة للذكر والأنثى على السواء، ويقدم الأنثى بارعة ومقتحمة، ومحتفظة بالجمال أيضاً، وقادرة على المنافسة بل حَريّة بالفوز لتمثيل همومنا الجمعية، مع خصوصية الأنثى بقضاياها المتعددة من الاضطهاد والمقاومة للهيمنة الذكورية، إلى الجمال الداخلي والشكلي الذي يمنح الحياة كلها قدرة على مقاومة الأوجاع، والتعبير عنها.. وكيف نتعامل إزاء حصتنا من السماء!