"مقهى الإبي" في تعز.. مرفأ المفكرين والثوار والمخبرين منذ 70 عاما

مرايــا

يتنفس التاريخ من على مقاعده العتيقة، وكأن هذه المقاعد تسرب لك أسماء الشخصيات التاريخية التي جلست عليها، خلف كل طاولة حكاية، وعلى الجدران يحتفظ المكان بقصص شخصيات كان لها دورا كبيرا في صنع الحياة السياسية والثقافية معا. 

(مقهى الإبي) بتعز، ما تزال الصور القديمة للشارع والمكان معلقة على حيطانه، مدرسةالأحمدية القديمة، مدرسة ناصر، العرضى وغيرها من بدائيات المدينة، لا يضاهيها سوى حضور الوجوه القديمة هنا لتدرك ما الذي يعنيه هذا المكان 

يقع مقهى الأبي في شارع 26 سبتمبر، وهو مقهى شعبي تأسس في الخمسينيات، واستمر بتقديم خدماته حتى اليوم، رغم إغلاق الكثير من المحلات التجارية والمقاهي القديمة.

اليوم يقاوم المقهى الكثير من الصعوبات، خصوصا مع ركود الحركة وتغير متطلبات المكان، وحركة الشارع كما فعل صاحب (مكتبة القلم) الذي حولها إلى متجر لبيع الأحذية وأدوات التجميل، لكن هذه الضغوطات لا تثني الحاج عبد الله وأولاده للاستمرار بتراث والدهم ووجهه الأبرز الذي قدمه للناس طوال فترة تواجده في تعز.

في العاشرة من عمره عمل الحاج عبد الله في تجارة الشاي ببعدان في مدينة إب، حينها انتقل إلى تعز وبدأ مشروعه التجاري الذي تحول مع الأيام الى قبلة للمدينة وشاهدا من شواهدها الثقافية.

يتذكر الحاج عبد الله تفاصيل الحياة اليومية للناس وللمكان وكأنها مرت سنوات قليلة في ذاكرته، بدى الرجل الثمانيني يحدثني كصديق يفضي إليه همومه وهموم عمله..

ثلاثون عاما منذ أن تقاعد من عمله في المقهى ليتركه للأولاد فالأحفاد، لكن حب المهنة لا يزال حاضرا في ذاكرته.

بعينيين غائمتين يتحدث الرجل عن الشخصيات التي مرت من مقهايته، قادة للجيش وسياسيين ورجال أعمال، وأبرزهم "على محمد سعيد أنعم" الذي كان أحد أهم رواد المكان.

يحتفظ الحاج عبد الله بذاكرة المكان كما هي، ورفض حتى أن يُجري تعديلات على مقهايته التي أصبحت قديمة مقارنة بالمحلات الأخرى.

يقول لـ شبكة الصحافة اليمنية (يزن): "هذا المكان قديم ويعني لي الكثير ولأ أريد للأيدي وللتطور أن يعبث به".

يضيف: "حوالي عشرين محاوله قام بها التجار لشراء المحل مني، يرونه قديما  "ويقولون ضبحان"، من أجل تحويله إلى محل يتناسب مع الشارع الذي يعتبر شارع الذهب وأدوات التجميل والملابس النسائية، لكن لم أقبل، واضطررت قبل عشر سنوات إلى شراء المحل بـ 35 مليون ريال حتى لا أفقده، كانت هناك صعوبة كبيرة في الحفاظ عليه".

دور تاريخي

لعبت مقهاية الإبي دورا في النقاش حول مختلف القضايا في الساحة السياسية والثورية بعد الثورة، وكان الجميع يتوافد للمقهى لتحليل خطاب الرئيس جمال عبد الناصر وكانت تصل النقاشات إلى حد الشجار، حسب حديث الكاتب الصحفي المعروف عبد الرحمن بجاش في كتابه "حافة إسحاق".

في المقهى تعامل الإبي مع جميع الوجوه التي كانت ترتاد مقهايته، ويقول: "في هذه المقاعد خُطط لأغلب الحركات الثورية، كان المخبرين يداومون باستمرار لترقب أي حدث يحصل، حتى أن هناك مخبرين داخل كل تكتل شبابي، فالصديق يوشي بصديقه".

لم يكن الإبي يهتم لنقاشات مرتادي مقهايته، ولا يشترك معهم في الجدل لذا سلم من كل المضايقات والمتابعات التي كانت تفرضها السلطات على مرتادي محله من الثوريين وقادة الحراك الثوري.

ويضيف: "في صباح 26 سبتمبر كانت الناس فرحانه ترقص ابتهاجا بالجمهورية بعد عقود مع الإمامه".

الجيل الجديد لا يعرف تاريخ مقهى الإبي، يأتون للمكان لتناول الشاي أو القهوة دون علمهم بحكايته، تحدثت لأحد طلاب المدارس ممن يرتادون المكان لشرب القهوة فقط، إدمانه للقهوة فقط جعله يرتاد المكان، لكنه لايعرف شيئا غير هذا.

يتردد الحاج حمود شرف القدسي على مقهى الإبي منذ الستينات إنه من زبائن المحل، سافر للخارج فترة من الزمن لكنه حين عاد للمدينة.. عاد حنينه للمكان، فهو يشرب القهوة والشاي صباحا ومساءً هنا كل يوم. ذوق خاص

للقهوة في مقهاية الإبي طعم خاص يضيف لها عراقة المكان نكهة مميزة، وكأنك تحاور هنا شخصيات مرت من عقود وكان لها سببا في تغيير تاريخ البلد، من هذه المقاهي وغيرها ظهرت حركة تعز الثورية، وعلى مقاعدها خططت للثورة، وكانت لهذه المقاهي دورا في كل حراك ثوري أو ثقافي. 

تشتهر تعز بمقاهيها التي لا تزال حاضرة إلى اليوم، ويعد شرب الشاي أو القهوة جزء من طقوس المدينة وضيوفها الذين يقدمون إليها، خلال السنوات الأخيرة تضررت المقاهي بسبب الحصار والحرب، وافتقدت للزوار والسياح الأجانب والعرب، لم يتبقى سوى الزائر المحلي او العمال الذي قدموا للمكان لأخذ احتياجاتهم من القهوة والشاي دون علم مسبق بالمكان .

يقول عبدالرحمن بجاش في كتابه "حافة إسحاق" إن المدينة ظلت موزعة بين "مقهاية الشرعبي" خلف الباب الكبير، ومقهاية الإبي التي هي العلامة الأهم لتعز ولمراحل متعاقة ولاتزال تتحدى كل محاولات القلع".