"بخور عدني" اختبار لإمكانية إيجاد بديل للوطن، ولا فرق بين تطرف ديني وسياسي إلاّ في شكل الممارسة

كتــابــي

(بخور عدني).. إنها حارات عدن التي لملمها الأديب اليمني المعروف علي المقري، عبق الفل يتراقى من بين صفحات الرواية، واقع الأربعينيات والخمسينيات بكل تناقضاته، بانفتاحه وتطرفه، بمقاهيه وحاناته ومساجده، الثوري وخطيب الجامع، المغنية والغريب، ورحلات اليهود إلى فلسطين. يمكن القول إن (بخور عدني) واحدة من أهم الإنتاجات الأدبية اليمنية.. حولها طرحنا جملة من التساؤلات مع الكاتب علي المقري..  

 أولا، ماذا تعني ماما في بخور عدني، أي رمزية يمكن أن تحملها الفتاة الشابة التي استمرت قريبة من الجميع حتى آخر مشهد؟

نعم، هي "ماما التي استمرت قريبة من الجميع حتى آخر مشهد"، حسب عبارتك؛ ويمكن لوصفك القرائي هذا أن يلخص مكانة هذه الشخصية المسرودة التي أُريد لها أن تكون في هذا المستوى أو الموقع، كما يمكن للقارئ أن ينظر إليها من الوجهة التي هو فيها. لهذا، لا أعرف إلى أي مدى يمكن قراءتها من زاوية رمزية تعكس التحولات التي شهدتها عدن وقتذاك، أو كانت، على الأقل، جزءا منها.

ماذا يربط ميشيل بالروائي علي المقري، البحث عن وطن! الوطن الذات!، هل هناك رابط بينكما؟

بالتأكيد، هذه الإشكالية انشغل بها بالي كثيراً: ما الوطن؟ ولماذا الوطن؟ وهل بالضرورة وجود وطن؟ وهل يمكن إيجاد بديل له كفكرة وكمعاش؟

وأظن أنني اختبرت فكرة الوطن ومحنته الإنسانية بروايتين سابقتين، "طعم أسود رائحة سوداء" و"اليهودي الحالي" حيث يبدو الوطن كسطوة متسلطة أو كمعوّق لتحقيق الذات الفردية وأحياناً الاجتماعية لبعض الفئات بسبب اختلاف الجنس أو الدين أو اللون أو حتى المهنة.

في رواية "بخور عدني" حاولتُ أن أختبر إمكانية إيجاد بديل للوطن، سواء كفكرة أيديولوجية أو كمعاش يومي، إذ وجدت أن تحولات عدن في الأربعينيات وحتى نهاية الستينيات من القرن الماضي تتقارب من تخيلي السردي بتساؤلاته عن إمكانية استمرار حياة مشتركة بهويات متعددة في وطن مفتوح، وغير صارم في محدداته، ومن ثم كيف يتحول إلى أشكال حدودية جديدة باسم الوطن والقومية والدين والهوية...إلخ

هل نقلت الرواية صورة مكررة لعدن وصنعاء معا؟ أتحدث عن التعايش الذي كان مهوى قلوب الجميع ثم ظل في تراجع تدريجي في الواقع كما تراجع تدريجيا في الرواية!

ربما تكون هواجسي في كتابة الرواية منطلقة من أنني أعيش في مرحلة، أو واقع مأزوم، من تاريخ اليمن المعاصر حيث تراجعت فيه بعض حالات التعايش التي كان يؤمل منها أن تنمو أو تتطور لتكن أكثر انفتاحاً وإنسانية، ولكن أيضا، كما قلت لك، كان هناك انشغالي الذهني بهذه الإشكالية عن الوطن ومحدداته والتي قد تكون إشكالية وجودية لها بعد إنساني عام.

شمعة.. إلى أي مدى يمكن القول إنها رمزية لهذا التعايش؟

سُردت الشخصيات عبر علائقها الإنسانية، أي قد تبدو حميمية وقريبة من الجميع في أحايين كثيرة، لكنها أيضا لها هواجسها ومعوقاتها الخاصة التي تحد من انفتاح علاقاتها، أو تحددهاـ وبالتي فلا توجد شخصيات مكتملة النقاء أو صافية، لأن القول بهذا أو تبنيه سردياً يناقض الحال الإنساني بهواجسه المتغيرة أو حتى المرتبكة والهشة أمام ما يواجه في الحياة.

هل عشت في عدن لتوغل في تفاصيل الأحياء بهذه الطريقة؟

نعم، كنت أعرف عدن من خلال زياراتي الكثيرة، وحين صارت الرواية شبه مكتملة ذهبت إليها وبقيت في كريتر عدة أشهر لاستكمالها ومراجعتها وإعادة صياغتها، وبالطبع صرت أعرف المكان في حواريه وأزقته جيداً، إضافة إلى قراءاتي الموسعة في تاريخ عدن من وجهات مختلفة، وقراءاتي للصحف التي صدرت في ذلك الزمن، كما قرأت تاريخ فرنسا في ذلك الوقت الذي غادرها القادم إلى عدن.

ارتأيت تغيير أسماء الأحزاب والأطراف في المشهد العدني القديم، هل مازال مخيفا التحدث عنها بشكل علني برغم أن تاريخها وصراعها موثق تاريخيا؟

لا، ليس مخيفاً! ولكني أظن أن وضع الأسماء كما كانت عليه كجبهة التحرير والجبهة القومية لا تعكس روح أبناء عدن الساخرة، أو لنقل المرحة، الذين يعرفون عدن أو عاشوا هناك يعرفون ماذا يعني ابتداعي لتسميات على نحو حزب تحية كاريوكا أو حزب نعيمة عاكف وحزب سامية جمال، وهن فنانات وراقصات مشهورات في ذاك الزمان.

كيف يمكن الحديث عن محاولة الرواية لتناول التطرف كفكرة، سواء من الجبهة التي تولت الحكم بعد الاستقلال أو من الشيخ عبدالجبار، ثم ابنه الذي وجد نفسه ينساخ من عباءة والده حين عرف أن الحياة الواقعية مختلفة عما في كتب الدين؟

لا فرق، كما بدا لي، بين تطرف وآخر إلاّ في شكل الممارسة، لقد حاولت أن أقترب من الإنسان ومحنته الوجودية أو ارتباكه في علائقه الذهنية أو السياسية أو اليومية، ولهذا لم أجد وصفات أو أحكام جاهزة يمكن أن نعتبرها نهائية؛ فشخصية الفرنسي القادم إلى عدن، باسم غير مؤكد، قال حين ذهب إلى عرس ابن الشيخ عبدالجبار إن سعادة هذا الأخير بحضوره كانت أكثر من سعادته بعرس ابنه، فحدّث نفسه أن (النّاس طيّبون، ولكن علينا أن نمد أيدينا إليهم لكي نستكشف هذه الطيبة التي لا نستطيع أن نراها من بعيد أو مع المواجهة).

 بقي ميشيل غريبا حتى النهاية كما ظهر غريبا، فكرة الرحيل عن الوطن والبقاء بشعور المؤقت حتى بعد عقود، كيف يمكن الحديث عن ذلك؟

يمكن القول إنها غربة دائمة عن الوطن، أو عن كل مكان يتحوّل إلى وطن له سطوته وقسوته.

عدن، ملتقى القادمين من الخارج والداخل، هل أردت القول إجمالا إن عدن تتضاءل أمام سيرتها، أم مازالت "من البحر وإلى البحر، لا يمكن لأحد أن يغلقها"؟

لا أظن أنه بإمكان إغلاق أي مكان بمحددات أو بمسميات جغرافية أو وطنية قومية، أو غير ذلك من المفاهيم الأيديولوجية، لأنني أظن أن مفهوم الوطن أيديولوجي بامتياز. الإغلاق أو الانغلاق يعني الموت، وهو لا يحدث في طبيعة وجدت حرّة في الأصل، وإن وجد هذا الإغلاق فهو موت مؤقت وعابر.

هل يمكن القول إن قصة شمعة واليهود وما حدث لهم حقيقية؟

أي كتاب يحمل في غلافه صفة (رواية) فالتحقق في سرده يصبح فنيا وتخيلياً وإن ادعى إنه يحمل الحقيقة.