صياغة الفضة، عشق يتشكل في أنامل (جحوش)

مرايــا

تولد الأشياء بين يديك، فيكون لها طعم مختلف ..

وعندما تسعى جاهداً لإبقائها على قيد الحياة تكون حينها قد أنشأت حضارة في مجسم، حلية، لوحة .

منذ خمسين عاماً يتفنن عبدالله جحوش في رسم أبهى حلل الذهب الفضة.

ترك عمله الحكومي وشُغف بحب هذه الحرفة بعد ثورة ٢٦ سبتمبر، رافق جحوش صاغة الذهب البارزين في بداياته، فأخلص لهذا العمل وترك رفقته الذين وصلوا إلى مراكز ومناصب مهمة وحساسة في الحكومات السابقة.. 

سلك طريقاً طويلاً وفتح مشروعه الصغير وتنقل حتى عاد إلى حاوية الفنون والحرف " صنعاء القديمة ".

عاد بأصابع من ذهب بعد أن عمل في صياغة الذهب، ليحول الفضة إلى قطع فنية، نفيسة، تنافس الماضي والمستقبل في آن واحد، تعلم فنون الصياغة على أيدي الصاغة القدامى أمثال الصائغ الشهير الراحل صالح النظامي، كما تتلمذ على أيدي الصاغة فضل الشيباني، إبراهيم الشرفي، وكانا أمهر الحرفيين آنذاك.

أن تتقن شيئا في هذا البلد، أمر جيد، لكن أن تجد ما تحب وتتمسك بحبك وتعمل ما تحب في ذات والوقت أمر بالغ الصعوبة في بلد لا يكاد المرء يجد فيها قوته أو حقوقه، فكيف بمجرد حلم!

يتساءل الحاج عبدالله في حديث لـ شبكة الصحافة اليمنية (يزن) : "من يحمي ما تبقي من تراث اليمن والحرفيين من الضياع".. فأحد العقبات التي تواجه المبدعين من الصاغة، قرصنة القطع الفنية واستنساخها بصور مكررة عبر الآلات خارج البلاد وإغراق السوق المحلي بها، حتى فقدت اليدوية وهجها بسبب ارتفاع سعرها.

ليس هناك من يحمي جمال هذا البلد المتمثل في الفنون الشعبية والحرف، عدا جهود فردية لأفراد يحملون هم الجَمال قبل أن يندثر.

وبدافع الواجب لحرفته، يتمنى الحاج عبدالله أن يجد الفرصة والمكان المناسب ليدرب أيادي يمنية فنون الصياغة وأسرار الحرفة، لتعمل وتبدع وتثري السوق اليمنية، فبدأ بتعليم أولاده الخمسة حتى لا تموت حرفته سواءً كانوا بحاجة إلى العمل أم لا، طلاب أم موظفين، علمهم بحب، بدافع أن يصنع لهم قشة أمان، فكما يقال: "أذل حرفة، تؤمنك الدهر".

دون هدف مسبق، تحول " جحوش " إلى اسم وماركة في صناعة الفضيات التي اندثرت تفاصيلها بين هجرة اليهود الذين كانوا يلمون بتفاصيلها وبين صهر الحلى القديمة التي عفى عليها الزمن ..

لدى الحاج عبدالله جحوش يدان عريقتان ومدرسة تتلمذ فيها: إبراهيم، يحيى، محمد، عادل، زكريا وأصغرهم يونس ١٣ عام وكلا منهم لديه ميول وتفاصيل يعتني بها، وبدورهم يعلمون أولادهم.

اليوم يعملون بجد، عندما تزور محلاتهم، تسمع رنين المطارق وحسيس النار، معامل بسيطة ودكاكين بديكورات باهتة حتى لايغلب بريقها على بريق الفضة والأحجار الكريمة.

تذهب إليهم وأنت في حرج بالغ، فمثل تلك النفائس لا تقدر بثمن، فحين تقتني منهم عقدا أو خاتما، ليس مجرد حلية تتزين بها، بل هي عطر الماضي وجزء من روح صائغها التي يتعامل معها كما يتعامل مع أبناءه.