محمد الظاهري
محمد الظاهري

"مكانني ظمآن"!

مهدى إلى كل أصدقائي الذين سرقتهم الحرب مني بطريقة أو بأخرى. وإلى احلامنا معا..

لم ندرك كم كنا معا حتى تقاسمتنا المنافي. لوقت طويل كنا يمنيين فقط، سنوات بعضها طوال وأخرى ناقصات، تشاركنا في بعضها أيام الدراسة ورائحة الكتب، و أنفقنا معظمها نطارد احلامنا وننزف مداد أقلامنا، ونفعل أشياء كثيرة جدا نريد أن نفعلها، ونؤجل أشياء كثيرة جدا دون أن يداهمنا الوقت.

تنافسنا كثيرا، تكاتفنا، تصارعنا، تشاجرنا معا. على الأقل كنا معا ويجد احدنا ملاذا يمكنه الإصغاء لـ"حشوشه" او نكاته السمجة حين لا يريد ان يكون وحيدا.

سنوات سمعت أيامها "حشوشنا" الجماعي، وحضرت مقائلنا المملة والطويلة والرتيبة دون ان يجعلنا ذلك نتخلى عنها. رقصت معنا في أفراحنا وكفكفت دموع اتراحنا.

سنوات قرأنا فيها "تغريبة بني هلال"، وتابعنا حكايات فلسطين، وشاهدنا خلالها شتات العراق وضياع سوريا وتمزق ليبيا، ولم يدر بخلدنا يوما انا سنغدو الحكاية التالية.

كنا معنا حتى حين نختلف ونكره ونبدو لئيمين. لم تكن كراهية كالتي نعرفها اليوم. كانت خجولة أو تشعرنا بالحرج في نهاية الأمر لأنا كنا معا.

كنا معا حين نحلم أو نصحو على خيبات واقعية، حين ننجح، وحين نحاول النجاح. حتى فضاضة شبكات وسائل التواصل الاجتماعي كانت تخجل حين تلتقي العيون لانا كنا معا. واليوم لم يعد هناك ما يكبح جماحها، حتى مشاعر الفقد، واشتياقنا لبعضنا أرهقتنا، فقاومناها. فمن يحتاج المزيد من الإحساس بالضعف!

أكلت الحرب أرواحنا ونحن في حالة إنكار جردتنا من أسلحتنا، وأفكارنا، ومحاولاتنا، و تعصبنا لليمن، فتمددت بيننا عصبيات غريبة ومميتة.

أكلت الحرب من أرواحنا، وافقدتنا معاني أشياء كثيرة كانت تسرنا دون ان ندري. حتى العمل الذي شغفني حبآ وسرقني من مهنتي لم أعد أطيقه. والكتابة ايضا، لم أكرهها، لكن الكلمات التي طالما حلقنا بها عاليا وخلقنا منها كل شيء لم تعد تستجيب. وكأنها لم تعد صالحة، كأن قاموسي لم يجهز شيئا لهذا الخراب والخيبة التي منينا بها.

طالما لذت بالكتابة، لكن الحرب جعلتها مرة ومخيفة، وحائرة. كلما حاولت، اشعر وكأن السطر التالي، ليكون مفهوما، بحاجة إلى مقدمة تلخص كل ما حدث منذ أخر مرة كنا فيها من يكتب أسماء الأيام، وحكايات المدن، وأحلام العابرين.

اما اليوم فلا شيء سوى صوت الحرب وأكاذيب المتحاربين. صوت الحرب هو الأعلى، وكلمات الكراهية هي من نصغي إليها أكثر، أما الأحلام فمختبئة وذاويه مثل أرواحنا. لا أحد يصغي اليوم إلا إلى ما تريده الحرب.

لقد فقدنا حتى منطقنا. حين بدأت الحرب اعتقدنا أنها لن تبقى لأسابيع، ظننا بأن ثمت عقل ومنطق لن يسمح باستمرار حرب بلا منطق.

طالما اعتقدنا بأنا عميقين جدا، ثم جاءت الحرب لتخبرنا بأكثر الطرق فجاجة أننا ربما لم نكن عميقين بالقدر الكافي، كان العالم كله يعبث بنا وببلدنا ويضللنا بمساعدة اللصوص و الأنانيين الذين يريدون كل شيء ولو كان الثمن كل شيء.

أداروا صفقاتهم لبيعنا أمامنا. في الحقيقة لم يكن الأمر ليختلف، فلم نكن سطحين إلى هذه الدرجة، لكن لا أحد كان يصغي لغير صوت الحرب.

العالم نفسه، واللصوص أنفسهم الذين كانوا يصممون الحرب أمامنا، كانوا قادرين على تحديد صوت من يجب أن يُسمع. كل الميكرفونات وبكل الأحجام لم تسمح بغير ما يريده القتلة وما زالت تفعل ذلك.

هزمتنا الحرب كما مزقتنا، وافقدتنا شجاعتنا وقدرتنا على رؤية حقيقة ما يجري. ليس سهلا ألا تتمكن من الحلم، أن يخيفك غدا. فتمادينا أكثر في الإنكار، واصلنا تفسير الأحداث وكل ما يجري حولنا وتطويعه ليبدو كل شيء على ما يرام. تورطنا في ذلك أحيانا لمجرد ان لا نبدو مخطئين. ربما بدافع الخوف، أو من اجل اختلاق طمأنينة غير حقيقة تساعدنا على الاستمرار. فمن يستطيع تخيل ان كل أحلامه تبخرت وبأن لا مكان غدا سوى لمخاوفه.

حتى التعصب لأفكارنا وجماعاتنا إلى هذه الدرجة هو نتاج الشعور بالخوف وعدم الأمان. يعتقد الفرد حسب علماء الاجتماع بأنه غير آمن ما لم يكن ضمن جماعة ما. ويصبح الأمر أكثر إلحاحا في الحرب. 

لكن الأمر تجاوز مداه حتى بات هناك من يرى في الحرب أحد موارد الحرية! وكأن الطائرات ستلقي صور المرشحين للانتخابات بدلا من القنابل، وستجلب الدبابات صناديق الاقتراع، وأن تمني الموت لأمة كاملة يندرج ضمن حرية التعبير!

ثم لم يعد أحد يتحدث عن حريتنا ولا كرامتنا ولا حقوقنا ولا إنسانيتنا. باتوا جميعا غير مهتمين إلا بالموارد وكيف سيجبون من فقرنا ثرواتهم، كيف سيخونون الوطن باسم الوطنية، ويسرقوننا باسم الله، كيف سيتقاسموننا، كأننا مجرد ماشية في حضائرهم.

كل ما أردت الكتابة عنه هنا هو أني مشتاق لأصدقائي، ولحريتنا، لحياتنا معا، وها أنا متورط في كتابة ملخص غبي لحرب لا يمكن تلخيصها، ووجع لن يمحوه شيء.

كان كل شيء قابل للحل قبل الحرب، أي شيء. أما الأن، فالصورة قاتمة أكثر من احتمالنا، أكثر حتى من قدرتنا على تطويع كل ما يجري حولنا ليبدو في صالح أحلامنا وبأن كل شيء على ما يرام. فأطراف الحرب اليوم كما كانت عندما بدأ هذا الخراب، لم تعلمهم هذه الحرب أي شيء، ولم تفعل بهم ما فعلته بنا، إنها حتى لم تمس كرامتهم فهم بلا كرامة أصلا.

أتذكر حين اتصل بي نبيل الأسيدي بعد أشهر من بداية الحرب التي ظننا أنها لن تبقى لأسابيع. لم أكن ونبيل نفترق قبل الحرب. مرة تخاصمنا لأيام، ربما يومين أو ثلاثة بدت كأنها دهرا من ثقل انتظارنا لشخص ما يتوسط بيننا وسنوافق على كل ما يقوله مباشرة فقط لتنتهي هذه القطيعة، وقد ضحكنا كثيرا لاحقا على ذلك.

تفرض الحرب ما لم يكن ليحدث قبلها، فرقتنا، مزقتنا، وملأت بنا المنافي والمعتقلات. خشينا حتى الاتصال ببعضنا..

كنا خائفين، ومربكين، وكان نبيل مطاردا دون سبب، لكن القتلة وأصحاب مشروع الحرب لا يهتمون لتفصيل تافه مثل أن تكون بريئا. كل ما يهمهم هو العثور على أضحية. المزيد من الضحايا والمزيد من الأعداء الوهميون والكثير من الدماء، حتى تبدو الحرب ذات مغزى، ولكي تبدو اكاذيبه وكأنها حقيقة...

يبحث الخونة غالبا عن أشخاص يتهمونهم بالخيانة لينزعوا هذه الصفة عن أنفسهم. ويبحث اللصوص عمن يتهمونهم باللصوصية، و"كلا يرى الناس بعين طبعه". 

حصل نبيل على رقم هاتف ومكان آمن جعل اتصاله ممكنا أخيرا. أتذكر تلك المشاعر المختلجة، كان الفقد يعصف بنا جميعا، ليس انا ونبيل فقط. كل اليمنيين يومها كان لديهم ما يفتقدونه، كانوا يفتقدون أشياء كثيرة. ومن يومها وهم يحاولون التعايش مع شعور الفقد او تجاهله. وحدهم أمراء الحرب كانوا سعداء ويتصرفون كالأبطال!

كنت مرتبكا، وفرحا مثل طفل ينتظر هدية، أفكر فيما سنقوله أولا، وكيف سنرتب أحاديثنا الكثيرة حسب أولويتها. هل سأخبره كم افتقده أولا، أم أسأله عن حاله وكيف أمضى الشهور الماضية؟ كيف سيبدو صوته؟ هل ما زلت أتذكر صوته؟ ماذا لو كان شخصا أخر يدعي انه نبيل ولا يمكنني تذكر صوته؟

حين سمعنا صوتينا، تصرفنا وكأننا كنا معا منذ ساعات، قررنا معا دون تخطيط تجاهل مشاعر الفقد، تجاهل الوجع الذي تزرعه الحرب داخلنا والخوف الذي يملأ أرواحنا. قررنا التظاهر بالقوة وادعاء ان كل شيء على ما يرام. ربما اختنقت عبراتنا في نهاية مكالمة لم تستمر دقيقة كاملة. لكنا أيضا واصلنا ادعاء أن ذلك لم يحدث وبأن أحدنا لم يلاحظ.

بعد ان أنهينا المكالمة، تذكرت بأني لم أخبره كم افتقدته. فبعثت إليه رسالة SMS، بدا أن ذلك أكثر سهولة من إعادة الاتصال.

ربما كانت المرة الأولى التي وجدتني في مواجهة مع بشاعة الحرب داخلي. لم أكن أعتقد بأنها فعلت بي كل هذا.

منذ أيام انتهت زيارة صديق آخر لصنعاء، أحد ملائكتي، الجميل محمد الأسعدي، فشعرت بألم الفقد يعتصر قلبي مجددا. غيابه أثار هذه المشاعر ونبش ذاكرتها مجددا. طوال سنوات الحرب يحاول اليمنيون اعتياد مشاعر الفقد والتعايش معها. لكنها أحيانا تكون فوق احتمالهم.

حاولت وأصدقاء بقوا في صنعاء الهروب من وشعورنا بالوحدة في هذه الحرب بالتجمع أكثر من اللازم ربما، حتى باتت لقاءاتنا شبه يومية. كان محمد الأسعدي ملاكي الحارس. ثمة أصدقاء رائعين آخرين تشاركنا معا سنوات الحرب الأولى، وبقينا طوال الوقت ننتظر نهاية الحرب. لكن الحرب لم تنتهي، وبدلا من ذلك ابعدت المزيد من اليمنيين. واضطرت الأسعدي للمغادرة بحثا عن الأمان.

حين لم تنتهي الحرب، بدأنا نحاول اعتياد الحرب، وهذا أسوأ من الحرب نفسها. لم نعد نكترث حتى بمشاعر الوحدة، تراجعت اتصالاتنا وانعدمت أسباب تجمعنا. بتنا في مدينة واحدة في جزر منفصلة. ومتوجسة. لم يعد الاختلاف في الرأي آمنا كما كان.

بعد ثلاث سنوات من غيابه، وجدت الأسعدي امامي. الله كم أفتقد أصدقائي، الله كم نفتقد بعضنا جميعا مهما أنكرنا ذلك.

هذه المرة لن أسمح للحرب بالانتصار، لماذا عليها ان تنتصر؟، لقد "شق الظما قلبي وأشعل في عروقي الدماء" كما قالها الفضول يوما. انا مشتاق لأصدقائي ومشتاق لأيامنا واحاديثنا الخالية من الحرب، مشتاق لأحلامنا وخططنا حتى الغبية منها. على الأقل كانت خططا مسالمة.

ألا يكفي الحرب بأن ظلالها القاتمة جاثمة على أرواحنا؟ ألا يكفيها حياتنا المؤجلة حتى تكتفي من دمنا؟ ألا يكفيها حالة اللايقين التي تعصف داخل وجداننا ليل نهار؟

سوف لن تنتصر الحرب هذه المرة، وسوف أنادي مع الفضول "وغادية فوق الربا والهضاب. نفسي ظامئة واااا سحاب. وانت تروي من سيولك شعاب...."

قضيت مع صديقي أكثر وقت ممكن، اخبرته كم افتقده. لم نكد نفترق طوال زيارته إلا لإفساح بعض الوقت من أجل عائلته. استعدنا ذكريات الماضي أو بعضها، حشينا على كل أصدقائنا. لم تدعنا الحرب وشأننا دائما، فطالما باغتت أحاديثنا ونقلت إلينا مشاهد البؤس التي أوجدتها حولنا وفي حياتنا. الحرب هي التفسير الوحيد لكل التعقيدات التي باتت جزءا من حياتنا ومعاشنا..

غادر الأسعدي مجددا وأنا لم أرتو، وما أظنني سأفعل يوما. كنت اعتدت عليه وقد أثار غيابة الكثير من الشجن، وذكرني بكل الذين غادروني تباعا، وحتى الذين لم يغادروا.

وهكذا كلما مر بصنعاء طيف من تلك الأيام ابحث عنه، استجدي ذاكرتنا، أحاول ري روحي العطشى دون جدوى. "ما زلت انا عطشان.. ظامئ وقد شربت حتى الظل لكنما، مكانني ظمآن". 

مقال خاص بشبكة الصحافة اليمنية- يزن