صدام أبو عاصم
صدام أبو عاصم

صحفيون بظهر مكشوف

زميل صحفي من مقر إقامته في السعودية يهمس لي غير مرة "كم أنتم محظوظون" ويعني أننا بتنا نقيم في بلدان اللجوء في أوروبا ونقول ما نشاء بلا خوف ولا وجل.

بمقياس هذا الزميل الطيب فعلا هو حظ سعيد بالنسبة لمن يريد أن يكون مهنيا ووطنيا ومتضامنا مع الضحايا في بلده، وفي نفس الوقت لا يساوره قلق على حياته ومصدر رزقه ولا يخاف بطش سلطات الدولة التي يقيم فيها ولا وشايات المخبرين والرقباء من أبناء جلدته.

زميل صحفي آخر يقيم في ماليزيا يفاجئنا قبل يومين برسالة يشكوا فيها من المضايقات والتهديدات التي يتعرض لها من قبل مسؤول في السفارة اليمنية وأعوانه ليصل الأمر إلى تقديمه بلاغ في الشرطة الماليزية بهذه المضايقات والتهديدات التي يتلقاها تباعا بعد أن نشر مقالا ينتقد فيه أداء السفارة والسفير وتعامله مع قضايا اليمنيين المشردين في ماليزيا.. وبقدر ما بدا هذا التصرف مخزٍ بالنسبة لنا جميعا كيمنيين مشردين فقد كشف إلى مدى يمكن أن تكون الحرب قد أفسدت كل شيء فينا حتى أخلاق المسؤولية.

قصة حزينة أخرى ماتزال آثارها السلبية تتردد وهي قضية الزميل عدنان الراجحي الذي تعرض للاستجواب والاحتجاز والضرب من قبل سلطات الأمن التركية، وفقا لشكواه، قبل أن يغادر تركيا مطلع 2020 بصحة بدنية متدهورة إثر التعذيب الذي تعرض له. 

ورغم أن عملية مضايقته استمرت لأكثر من عام حينها إلا أنه رفض الحديث عنها حينها ولو لزملائه في القناة اليمنية التي يعمل بها، وأورد سببا مقنعا لذلك وهو أنه تعرض للتهديد بالتصفية إن أفشى سر استجوابه وتهديده لأحد.

مؤخرا وبعد تقريبا عام من عدم تفضيله التضامن والنشر لأسباب تخصه، نشرت نقابة الصحفيين اليمنيين بيانها التضامني الذي أثار لغطا كبيرا، وقسم الزملاء بين مؤيد ومعارض، خصوصا أنه طالب القناة التي كان يعمل بها لإنصافه مشيرا إلى أنهم لم يكن لهم دور كبير في إخراجه من محنته، في إشارة خفية إلى أن تواطؤ ووشايات قد تمت، ما دفع القناة بدورها للتوضيح ردا على بيان النقابة، وهو ما جعل الاصطفاف يكبر آخذا بعدا سياسيا أبشع مما هو حاصل من استقطاب على الواقع السياسي والعسكري.

أجزم أن مثل الزميل الراجحي هناك عشرات الصحفيين في دول الشتات يتعرضون للقمع والمعاناة من أنظمة مستبدة وبالتالي لا يتحدثون خوفا على أنفسهم، وحتى هناك مؤسسات إعلامية ومراكز بحثية تتوجس هي الأخرى إن لم يرق يوما للدولة المستضيفة ما تقول.

إن التضامن مع عدنان واجب أخلاقي وإنساني ليس فقط من أجله ومن أجل حالته الصحية المنهارة بسبب الاعتقال والضرب في سجون تركيا، وإنما من أجل بقية الزملاء المشردين الذين انكشف ظهرهم ولم يعد لهم سند لأنهم قرروا أن يكونوا مهنيين فقط وليس مبتذلين أو مخبرين.

في تركيا والسعودية ومصر والأردن والامارات وقطر أعرف الكثير ممن يعانون من أنظمة تلك البلدان ومن تواطؤ مخبرين يمنيين ويخافون البوح لأي أحد، ويتمنون اللحظة التي يخرجون منها من هذه البلدان أو حتى يعودوا لليمن ويموتوا في بلدانهم بشرف.

أعرف صحفيين يمنيين في مصر معدمين ولا يجدوا ما يدفعون به جوعهم وجوع أسرهم وقد انحازوا للبقاء في المنازل أولا لأن فرص العمل غير موجودة وثانيا خوفا من النظام هناك ومن وشاية اليمنيين أنفسهم إذا هم قررا الاستمرار في المهنية.

في الإمارات وفي قطر أيضا أعرف زملاء أوقفوا "الشات" والحديث فيه عن الشأن العام بموضوعية، وخففوا تواجدهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو اقتصر حضورهم على الأدب أو الرياضة والفن إن هم نووا العزوف عن التسبيح بحمد وسياسة بلدان إقامتهم سواء في الشأن اليمني أو العربي والعالمي.

يا له من مآل هذا الذي وصل إليه الصحفيون في بلدان الشتات وفي الداخل، والصحفيون هم جزء من المجتمع المكلوم بالطبع، لكن المؤلم أكثر هو تحويل التضامنات وخصوصا التضامن مع قضية الزميل الراجحي مع "السلطات التركية" إلى قضية مهاترات وتخوين وتهم متبادلة بين الزملاء بأن إثارتها أو السكوت عنها يخدم هذا الطرف أو ذلك من أطراف الحرب التي مزقت ولاتزال تمزق اليمن، شيء معيب ومخجل ولن يخدم أي أحد، ويعزز من حقيقة أن الصحفي سواء كان داخل اليمن او خارجه هو عرضة سهلة للبطش من قبل الدكتاتوريات العسكرية والجماعات الأيدلوجية، وبمباركة من زملاء للأسف تماهوا مع هذا الواقع الاستقطابي اللئيم.

ثقوا أن تركيا لن تهتز لمجر أن نقابة الصحفيين اليمنيين عملت واجبها الطبيعي وتضامنت مع أحد أعضائها وفقا لشكواه، وتناول التضامن كخبر موقع سعودي مثلا، فتركيا أصلا واحدة من البلدان الأكثر خطرا على العمل الصحفي في العالم.. بالمقابل لن تنتصر الإمارات على قطر في اليمن لمجرد أنها وجدت نقطة سوداء في الوجه المدني لـ"أوردغان" حليف جارتها وعدوتها قطر.

هذه النتوءات المنتفخة نفطا ومعادن باتت تسيطر على جزر وتخطط لسايكس بيكو جديد، بنسخته اليمنية، وأنتم "حانبين" بمدى تأثر هذه الدول بالتضامن مع صحفي تعرض للانتهاك من عدمه.

كل التضامن مع الزميل الراجحي ومع كل الزملاء والمؤسسات الصحفية اليمنية المهنية التي تعاني من ضغوطات بسبب عملها في دول أنظمتها دكتاتورية، مثلما هو التضامن الدائم مع كل صحفيي الداخل الذين يعانون الويلات من مليشيات الشمال والجنوب.

الصحفيون اليمنيون باتوا اليوم مكشوفي الظهر، لا أحد يسندهم، وإن كان هناك سند ما، ولو على هيئة تضامن، يفسده هذا الاستقطاب السياسي الحاصل للأسف.

خاص بـ شبكة الصحافة اليمنية-يزن