سامي نعمان
سامي نعمان

مَاتَ الشّيْخ النّافِذ.. مَاتَ الشّاعر المُرْهَف

مات محمد أحمد منصور.. 

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي ظلّ، لسنوات عنواناً رئيسياً في الصحف، ولعقود شاهداً على أهم وأبرز عَوْرات نظام علي عبدالله صالح، وغياب الدولة، وتنازلها عن أبرز ركائزها المتمثلة بسلطة القانون، وأهم قيمها الحضارية والإنسانية المتمثلة بضمان حقوق المواطنة. 

مَاتَ الشّيْخ، الذي كان أبرز صورة مصغرة معبرة عن الحالة "الحوثية"– بما هي سلوكٌ مُتَعَرْبِد لا يمتُّ للدولة والقانون والقيم الإنسانية بصلة- التي كانت متاحة داخل نظام صالح، في ذروة الاستقرار، ونفوذ الدولة، إذْ كرّست نموذج "الشّيْخ والرعوي"، وكان بالإمكان كَبْحُه، مع توفر الأدوات وعوامل القوة اللازمة لذلك. 

مات الشّيْخ، فزالت متأخرة، إحدى النّدَبات الأكثر تشويهاً وتلطيخاً لوجه نظام صالح، لكن بعد أن زال الرأس ذاته، وأهدر الدولة، لتؤسس تلك النَّدْبة وشبيهاتها، لوجهٍ مطموس بلا معالم، في هذا العهد الأجدب، الذي تمثله ميليشيا الحو ثي بنموذج أكثر ارهاباً وتوحشاً سمته الرئيسية "السيد والقبيلي".

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي كان يعتقل الناس ويَزُجّ بهم في زنازين مُلحقه بِقصوره ومساكنه في إب والجعاشن وتعز وصنعاء، بعلم الدولة وأجهزتها، رضيت أم لم ترضَ، بعدما سلمت هيبة الدولة، مع رقاب مواطنيها للشيخ، باعتبارهم رعيته، بعيداً عن سلطة القانون.

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي وصلت بلاغات أمنية لمحافظي تعز، أنه يحبس الناس في بيته بالمخالفة للقوانين ولأبسط مفاهيم الدولة "المستقرة"، فكان الرد واحداً " هم رعيته".

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي ارتبط اسمه بتهجير المواطنين من مناطقهم وقراهم، في أبشع صور الانتهاكات والجرائم التي مورست في "عهد الدولة"، وجعلهم نازحين مشردين، دونما حربٍ، ولا يملكون حق العودة إلى بيوتهم وقراهم خشية انتقامه.

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي روّع الصحفيين، وارسل لهم الرسائل المُفخّخة.. كما حدث للصحفي هاجع الجحافي منتصف عام 2005.

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي سُلّمت ملفات انتهاكاته لمنظمات الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية، وتناولتها مختلف المنظمات الحقوقية العالمية والإقليمية والمحلية، ووسائل الإعلام العالمية، دون أن يُفتح له في الداخل، ملفٌّ في النيابة، في "عهد الدولة".

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي لم يجْرُؤ أحدٌ على منافسة ابنه على مقعد مجلس النواب، في مديرية "ذي سُفَال". 

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي كان، باتصال، يعين نجله في منصب رفيع بقرار جمهوري، ويعزله باتصال متى غضب عليه. 

ومَاتَ الشّيْخ؛ النّافذ الذي عاش بداخله شاعرٌ قوميٌ ثوريٌ، وغزليٌ مرهف الإحساس، نظم أجزل وأجمل القصائد الفصحى مدحا ورثاءً وسياسةً وغزلاً.

مات الشّاعر؛ الذي اشترى السلطة والنفوذ بقصائد المدح؛ التي أسداها لمن يستحق ومن لا يستحق، صادقاً أحيانا، ومجاملاً ومتزلفاً أحياناً كثيرة.. 

مَاتَ الشّاعر؛ الذي؛ وعلى الضّدِّ من استبداده الطَّافح ضدَّ مواطنيه، أظْهرت بعض قصائده بعداً ثورياً قومياً عربياً، إذْ نَظَمَ قصائد عديدة في كثير من الأحداث والقضايا القومية.. وحازت فلسطين جزءاً مهماً من اهتمامه.. 

ومن قصائده.. 

لن يُرجعو (القدسَ) من ضَجُّوا ومن شَجَبوا

متى   عَهِدنا    (صلاح  الدين)    قد   شَجَبَا

لن    تُرجِع   (القدس)   أشعارٌ  ولا    خُطبٌ 

فالحربُ    أبلغُ    من   أَنشَا    ومن    خَطَبَا

إن    تنصروا   الله   ينْصركم    وإن    تَهنوا

فلا    انتصاراً     ولا    قُدساً      ولا    عَربا

مَاتَ الشّاعر؛ صاحب القصيدة الغزلية الغنائية المذهلة 

يسائلني لحظها والحور

أتحلمُ في غزوِ هذا القمر

فقلت وقد سقطت أدمعي 

على نحرها كسقوط الدرر

مَاتَ الشّاعر؛ صاحب رائعة "نجْمَة العِشْرين": 

أعِلمتِ لَيلى بعد طــول عتــــابِي

من أن طيفك ســــــاكن أهدَابِـــي

صَليتُ للحسنِ الجمِيل تـَعبــــدَاً

وجعلــتُ وجهـــكِ في الهوى مِحرابي

مَاتَ الشّاعر؛ الذي نَظَمَ الشِّعرَ الغنائي، أحسنَه، والقصائدَ الغزليةَ أجزلها وأكثرها ثراءً وبذخاً وإحساساً.. 

مَاتَ الشّاعر؛ الذي غنى له أيوب طارش "أيها الليل كفانا".. "أنا أسألك يا طير".. و"يسألوني لحظها والحور".. وغيرها. 

مَاتَ الشّيْخ؛ الذي عُمّر مِئَةَ عام، مُتخَمَةً، أغلبُها؛ بالانتهاكات المُفْرَغة من أي معنىً للإنسانية، والضمير، مستنداً على نظام تآمر على نفسه أكثر من خُذْلان مواطنيه.

مات الشّاعر، الأسطورة، الذي أذهل من عرفه وقرأ له بموهبته وإبداعه الثري المتدفق، سواء اتفقت مع مضمون قصائده أو استنكرتها.

مات الشّيْخ والشّاعر؛ الذي جمع المتناقضات وتعايش معها وطوعها لمصلحة نفوذه غالباً، ولمصلحة الضمير والقيم متى كان الحدث منفصلاً عن أي ارتباط بمصالحه المباشرة.

مات الشّيْخ، لكن في عهدٍ فاحشٍ، غدت فيه انتهاكاته وتجاوزاته التي كانت محل استنكار ورفض يتجاوز حدود البلاد، بحق المواطنة والكرامة الإنسانية، نهجاً متبعاً ومزاج حكم لدى سلطة الحكم الحوثية التي زادت عليها فحشاً وإجراماً لم يسبقها إليه أحدٌ.

مات الشّيْخ؛ ومن سخرية القدر أن عبد الملك الحو ثي وكتيبته المدنية والعسكرية الحالية، كانوا يرفعون قضية الجعاشن كقميص يوسف، إذ كانوا يتضامنون مع أولئك المُهجّرين، ويستشهدون بهم على ظلم النظام ضد مواطنين مُسالِمين بلا سِلاح ولا يحاربونه، ويسوِّقون تلك القضية بانتهازيةٍ قذرة، لتبرير رفعهم السلاح. لكن وبمجرد أن أصبحوا حكاما بالقوة والارهاب، استلهموا تلك التجربة الأليمة؛ وزادوا عليها صبغة إيرانية طافحة بالجريمة والارهاب والعربدة، ليشردوا مئات آلاف اليمنيين بعدما انتهكوا حرماتهم، وزادوا بتفجير منازلهم والمساجد التي كانوا يصلون فيها.

مات الشَّيْخ، ولو وُجِدت دولةٌ محترمة - رغم امتلاكها كل أدوات وعوامل قدرتها وحمايتها-  بالقدر الذي كان كافياً لإعمال العدالة بينه وبين مواطنيه "رعيته"- لما آلت الأمور إلى ما هي عليه الآن.  

مات شيخ الجعاشن.. في عهدٍ باتَ التذكير بممارساته ضرباً من الهراء والحسرة، أمام ما هو قائمٌ من فاشية عنصرية حوثية طافِحة، واهتراء دولة بلا أدوات قوة أو أنياب ومخالب.

مات الشّيْخ، وسيكون من غير الإنساني والأخلاقي تلْطيف انتهاكاته بحق الإنسان وكرامته، واعتبارها تجميلاً لنظام صالح، الذي فرّطَ بهيبته، وأهدرَ القانون في "عهد الدولة"، لمجرد مقارنتها بنماذج قائمة أكثر فظاعةً ووحشيةً وإجراماً.

مات الشّاعر؛ الذي ستبقى قصائده خالدةً ما بقيت الكلمة.. 

مات الشَّيْخ محمد أحمد منصور.. 

وعند الله تجتمع الخصوم.

خاص بـ شبكة الصحافة اليمنية-يزن