د. نبيل الشرجبي
د. نبيل الشرجبي

الموقف السعودي من الحوثيين.. متغيرات وأبعاد

وكأن ولي العهد السعودي حدد الملامح الأخيرة للحل في الصراع اليمني أثناء مقابلتة الأخيرة وأصبحت الرؤية السعودية لذلك الحل يتمثل في بعدين :

البعد الأول: عدم القبول بوجود مليشيات على حدود دولته وهو حق مشروع تكفلة جميع المواثيق الدولية 

البعد الثاني: القبول بالمكون الحوثي الذي وصفه بمكون لديه اتجاه عروبي يمني وهو مايعني القبول بهم كطرف سياسي داخل اليمن وعدم قبولهم كطرف مليشاوي خارج حدود اليمن.. هذه الرؤية المتجددة لصانع القرار السعودي للحوثيين هو انقلاب أقرب إلى الانقطاع عن القناعات السعودية السابقة وهو مايفرض علينا طرح أسئلة مهمة:

ماذا ولماذا وكيف حصل مثل ذلك الإنقلاب في الموقف؟

يمكننا هنا أن نحدد مجموعة من العوامل التي لعبت دورا "في ذلك الانقلاب فهناك عوامل خاصة بموضوع الصراع في اليمن وهناك عوامل أخرى متعلقة بالتغيرات الاستراتيجية الدولية.. بالنسبة للعوامل التي تتعلق بالصراع اليمني فان ذلك الصراع قد وصل إلى مرحلة الصراعات الممتدة والتي تعني أن ذلك الصراع أصبح ممتدا ومتشابك العومل السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية والمذهبية والاستراتيجية، وكذلك أصبح له امتداداته الداخلية والخارجية والإقليمية والدولية، وهو مايعني صعوبة إن لم تكن استحالة قدرة الأطراف المحلية الداخلية أو الإقليمية على حل هذا الصراع، وهو مايعني تولي حل ذلك الصراع من قبل الأطراف الدولية فقط، دول ومنظمات وهذا مالحظناه مؤخرا من تراجع قدرة السعودية على فرض حلها.

بالنسبة لنقطة تقبل السعودية لجماعة الحوثين وأنهم جماعة لديهم اتجاه عروبي فقد جاء بفعل تاثير مراكز الأبحاث الأمريكية التي تمد السعودية بخبراتها في العديد من القضايا ومجمل تلك الرؤية تصب في اتجاه أن المكون الحوثي أقرب إلى السعودية منه إلى إيران وأن التقارب الحوثي الإيراني ماهو إلا بسبب ظروف الخوف الذي فرضته السعودية على الحوثيين .

أما بالنسبة للعوامل المتعلقة بالمتغيرات الاستراتيجية الدولية على مستوى المنطقة فهي قد هزت وأصابت المكانة السعودية في تلك الاستراتيجية، وحولت المملكة من دولة شبة أحادية فاعلة في المنطقة العربية إلى أحدى الدول المشاركة مع دول أخرى كثيرة في تنفيذ السياسات الدولية.. فمن المعروف أن الولايات المتحدة رسمت سياستها في المنطقة خلال ال 60 السنة السابقة على مايسمي سياسة العمودين والسعودية كانت أحد ذلك العمودين وقد تمثلت الأهداف الأمريكية في المنطقة  بالتالي:

1-    الربط بين الأمن القومي الأمريكي والأمن العالمي من خلال الحفاظ على امدادات النفط الخليجي وباسعار رخيصة لتحقيق وفورات اقتصادية جبارة للولايات المتحدة ودول الغرب وذلك من خلال سياسات السعودية في مجال الطاقة ونظام الحصص الذي كانت تقرره السعودية .

2-    إنجاح سياسات الاحتواء للدولة السوفيتية وعدم السماح لها بدخول المنطقة العربية وذلك بالتعاون مع السعودية عبر اندماج السعودية في النظام الأمني الغربي وقيادة السعودية لمحور مواجهة الأنظمة الشيوعية والقومية في المنطقة وما قيام السعودية بانشاء الحلف الإسلامي في حرب افغانستان إلا خير دليل .

3-    حماية أمن إسرائيل وذلك عبر مد إسرائيل بكل أنواع الأسلحة وتشجيع السعودية لقيادة تيار الاعتدال في المنطقة العربية والذي يقبل بوجود إسرائيل كاحدى دول المنطقة .

وكما اشرنا سابقا فان كل تلك الأهداف لم تعد ذي أولوية أو أهمية للولايات المتحدة فتراجعت المكانة السعودية وفقا لذلك ، فبعد اكتشاف الولايات المتحدة للنفظ الصخري الأمريكي تراجعت الأهمية للنفط السعودي بل وأصبح النفط الصخري منافس شرس للنفط السعودي وهو مايعني تراجع أهمية السعودية في ذلك الأمر، وبالنسبة للهدف الثاني فان الولايات المتحدة لم تعد ترى في المنطقة العربية نفس الأهمية السابقة بل أصبح لامانع لديها أن تحتل القوة الروسية أي منطقة عربية.. بل إن الولايات المتحدة ترحب بسيطرة روسيا على سوريا وليبيا ولامانع حتى من إقامة قواعد عسكرية لروسيا في أي دولة من دول المنطقة .

أما الهدف الثالث فإن اسرائيل قد وصلت إلى مرحلة يمكنها لوحدها حتي من غير مساعدة أمريكية فاعلة من هزيمة كل الأطراف العربية ولم تعد في حاجة للسعودية لقيادة سياسات وتيار الاعتدال لإدماج اسرائيل في المنطقة فالهرولة العربية والخليجية تحديدا" للتطبيع مع اسرائيل أفقد السعودية أي إمكانية لممارسة أي دور اعتراضي على ذلك التطبيع بل إن الأمر انقلب لممارسة ضغوط على السعودية للحاق بقطار التطبيع .

كل تلك التغيرات التي صبت في غير صالح الوضع الاستراتجي السعودي تم قراءتة من قبل صانع القرار السعودي وهو ما انعكس في الطرح السعودي الأخير تجاه الملف اليمني ولن يقتصر ذلك الأمر على الملف اليمني، بل إن السعودية سوف تقدم في قادم الأيام على تقديم تنازلات لأطراف دولية وإقليمية بدون مقابل، وما أقدمت عليه السعودية في الفترة الأخيرة من محاولة التقارب مع إيران إلا خير دليل.

ملاحظة أخيرة، أعتقد أن نكهة التقارب السعودي الأخير من الحوثيين يقترب كثيرا من ريحة تقارب الإمارات معهم.

خاص بشبكة الصحافة اليمنية-يزن