عبدالله الحرازي
عبدالله الحرازي

مغترب ماله شي

عندما فر الرئيس هادي و أعضاء حكومته والعديد من مسؤولي الدولة إلى دول الجوار و تركوا الشعب اليمني في الداخل يواجه مصيره ، كان شعب الخارج ( المغتربون  اليمنيون) هم  سند هؤلاء الذين عرفوا تالياً بالشرعية الهاربة، كانوا يدها وعينها ودليلها وطريقها وسندها وشعبها الأخير.

لبوا النداء، قدموا الخدمات المجانية، تركوا أعمالهم ليساعدوا حكومة بحاح-هادي في تأسيس عملها الجديد أملاً في استعادة الوطن.. آزروا ساندوا، بذلوا، صرفوا مدخراتهم، حاولوا منح هؤلاء الهاربين بعض الكرامة بالغوا في تقديرهم، لإحساسهم أن من يهان هنا هو اليمن و ليس أشخاص.

أعرف قصصاً كثيرة، كما يعرف القارئ الكريم ولاشك، غير أن هذه الشرعية ردت لهذه الفئة العظيمة الكريمة من اليمنيين والبالغة أعدادها ملايين اليمنيين بطريقتها المعتادة في اختيارها للأنذال والمتسلقين وكتبة التقارير لينالوا المكرمات والتعيينات!

وكما تركت شعب الداخل لمصيره تحت رحمة المليشيات، تركت شعبها الأخير (المغتربون)  في الخارج نهباً للتعسفات والانتهاكات والتسريح الجماعي ورفع الرسوم من الغير، والحرمان من حقوق أساسية -كتعليم الأطفال-تتمتع بها شعوب أخرى  مقيمة في تلك البلدان لا تعاني ما يعانيه اليمنيين من ويلات الحرب، ناهيك عن التهجير الجماعي لألاف الأسر إلى وطن مشتعل، جراء الإجراءات التعسفية من تلك الدول المشاركة في صنع المأساة اليمنية، ثم ما لاقاه هؤلاء العائدون ولا يزالون من صنوف الإهانة في المنافذ البرية والجوية.

كل ذلك ولم يحرك هادي أو أي من مسئوليه طيلة سنوات العسف الماضية وفي ثلاث حكومات عار تعاقبت  ساكناً أو يجري محاولة لتخفيف ما يعانيه هذا المغترب الذي كان أول من آوى شعثهم و لملم عريهم وستر فضيحة فرارهم، بل وأطلق هادي شخصياً ومجموعته المقربة من أبناءه وبقية الفاسدين في طاقمه أيدي المسعورين الفاسدين ممن اختاروهم للتعيين في القنصليات والسفارات لينهشوا ما تبقى من جسد هذ المغترب المنكوب بحكومته، وإقالة كل من يثبت خدمته و تعاونه مع المغترب اليمني من موظفي السفارات والسلك الديبلوماسي.

تجاهلوا أن بقاء أغلب اليمنيين على قيد الحياة والكرامة والصبر والصمود ونحن في العام السابع من المأساة التي صنعها عبدربه هادي ويتحمل كامل المسؤولية التاريخية والقانونية عنها كان سببه بعد فضل الله هو جهد عرق وتعب وكرم هذه الفئة المناضلة الكادحة الشريفة من المغتربين اليمنيين في أصقاع الأرض وخاصة في السعودية و بقية الخليج، وليس أي من تنظيرات حكومات  بحاح- بن دغر-أو معين الخاضعة لإرادة السفير السعودي التي لن تفلح في إدارة حارة واحدة في طول وعرض الجمهورية اليمنية.

إن مأساة  بل مآسي المغتربين اليمنيين أصبحت فوق حد الاحتمال ويجب أن يلتفت لها الجميع، هؤلاء هم الشريان الوحيد الذي يبقي ملايين الداخل على صلة ببعض الحياة، هؤلاء هم أشد ضحايا الحرب وجعاً وحرماناً من التعاطف والمؤازرة، مُنتَهكة حقوقهم حتى من بقية الضحايا اليمنيين.

المغترب في الخارج لا سند له في مواجهة ظلم وتعسف الدولة المضيفة، منتهك في الخارج، محسود من المجتمع في الداخل بما في ذلك أقرب المقربين.

ضحية معلقة في وسط حفلة نهش لقطيع من الضباع يجري لعابها عليه كلما ذُكر أو ظهر، ضحية إهمال حكومته، ضحية  تعسف رب عمله، ضحية فاسدي سفاراته، ضحية متربصي منافذه، ضحية كل نقطة تفتيش يعبر منها إن استطاع العودة، ضحية المليشيات الإجرامية والإرهابية إن وصل، وإن نجى من كل ذلك فلن ينجوا من بقية المجتمع الذي يراه آخر كائن يمني يستحق الرحمة والمراعاة وجريمته أنه (مغترب ماله شي) أي لا يشكو من شيء.

أكتب هذا المقال أخيراً ولكن ليس كما خططت له منذ أشهر للحديث عن إسهام و دور المغتربين اليمنيين في إسناد نضال اليمنيين من أجل استعادة جمهوريتهم و مواجهة الانقلاب الهاشمي السلالي الكهنوتي، بل أكتبه كما ترون على وقع استغاثات مؤلمة من تكرار المشهد الممجوج في منفذ الوديعة بين السعودية واليمن، مأساة منع عبور آلاف المغتربين اليمنيين بأسرهم وأطفالهم منذ أسابيع وهم في طريق عودتهم لوطنهم بغية قضاء هذا الشهر الفضيل مع بقية عائلاتهم في اليمن ولأتفه الأسباب، دون أن تحرك جثة هادي وشرعيته المهترئة ساكناً مع أسيادها في الحكومة السعودية.

أما المغتربون فمن تمكن من العبور منهم وتعدى نقاط النهب و" التهباش" وصل ليصبح وخلال ثلاث ساعات ضحية بكل ما للكلمة من معان مؤكدة أو محتملة، كما حدث مع المغترب اليمني الشاب عبدالفتاح المليكي الذي تم اختطافه من قبل المليشيا الهاشمية الحوثية من بين أطفاله الستة في منطقة الحوبان ولما يكمل ساعات من وصوله من رحلة سنين ومسير أيام ذاق فيها من العناء ما الله به عليم وظن أنه وصل  أخيراً وآن له ببعض الراحة والفرح، ليتم  اختطافه وتعذيبه وشوائه وتقطيع لحمه حرفياً ورميه جثة هامدة قرب منزل أطفاله تشكو إلى الله ظلم الإغتراب والخذلان خارج وداخل الوطن.

فاللهم رحماك باليمنيين من اليمنيين، وحنانك وألطافك بهذا الكائن  الـ (مغترب ماله شي).

خاص بشبكة الصحافة اليمنية-يزن