د. نبيل الشرجبي
د. نبيل الشرجبي

انزلاقات عاصفة الحزم 

أصبح هناك تقليد سنوي في حقل البحث والتحليل والرصد بأن يتم فيه تقديم عرض لمختلف الاتجاهات الرئسية لمسار الأحداث الهامة، وانطلاقا من ذلك قرر كاتب هذه السطور القيام بتلك الخطوة حول مرور ست سنوات على عاصفة الحزم سواء اتفق معي البعض أم لا فهي إجمالا تظل وجهة نظر .

بعد مرور ست سنوات على عاصفة الحزم والذي كان لها هدف أساس واحد هو إعادة الشرعية والتي، انطلقت بشكل متسرع جدا جدا قياسا بما كان يجب أن يكون عليه الوضع في بناء التحالفات ويكفى أن نشير مقارنة بصورة سريعة على فارق نمط التفكير في ذلك الاتجاه بما تم في عاصفة الصحراء لإعادة الشرعية لدولة الكويت والذي استغرق أكثر من خمسة أشهر من التخطيط وإعداد مسار العمليات والإنتهاء من التجهيرات السياسية والاقتصادية واللوجستية بينما قرار "عاصفة الحزم" لم يستغرق أكثر من خمس دقائق وبدون أي إعداد مسبق لأي شي بل إنه جرى إكمال بناء التحالف بأثر رجعي وبدون امتلاك قدرة على وضع استراتيجية تضمن الحد الأدنى ليس النجاح بل إيجاد آلية ضغظ حقيقية على الحوثيين لقبول الدخول في تفاوض يضمن سلام حقيقي للجميع وربما هذا هو سبب تفسخ عرى ذلك التحالف وذلك بانسحاب بعض الأطراف التي شاركت بذلك التحالف تحت تاثير الوعود السعودية في سرعة الحسم وهذه السرعة وعدم الاستعداد والجدية كانت هي سبب في النتائج التي سوف نتحدث عنها، وقد خلقت تلك العملية التالي:

أولا، الاستقرار الهش في كل مناطق الشرعية ويتمثل ذلك في تزايد حركه التمردات العسكري والاجتماعي على الشرعية وتفريخ الكثير من الجماعات المسلحة وغيرها لإحداث خلل في مكون الشرعية وزيادة الشرخ السياسي والثقافي والاجتماعي والمذهبي بين اليمنيين مع دعم في ذلك الاتجاه من بعض أطراف التحالف وزيادة انخراط تلك المجاميع المسلحة في زيادة الصراعات الداخلية اليمنية اليمنية وزيادة الفجوات الاقتصادية وتحويل الصراعات السياسية إلى صراعات عسكرية وتراجع قيمة العملة الوطنية وغياب لكل أنواع الخدمات وغياب كامل لأي معالجات أو حلول وعدم القدرة على التخفيف من الضغوط التي تواجه المواطنيين من ذوي الدخول المنخفضة خصوصا .

ثانيا، فرض نوع من الحكومات الائتلافية المحكوم عليها مسبقا بالفشل مع عدم قدرتها على التماسك طويلا أو تحقيق الإنجاز فبسبب طبيعة الانقسامات والتحالفات التي أوجدها التحالف أو بعض أطرافه وتفريخ جهات أمنية وعسكرية، وتمكينها من السيطرة الميدانية وزيادة تمددها ونفوذها، وزيادة التباينات ورؤئ الأطراف لمواجهة كافة الازمات الداخلية والخارجية، وعدم قدرة الشرعية على حسم ذلك الامر مبكرا، فقد قبلت الشرعية بمبدأ الحكومات الائتلافية والتي كانت منصة جديدة لانواع أخطر من المشكلات والأزمات، وإضافة معضلات عدة أخرى أثرت في بوصلة الشرعية والتحالف وانحرافها عن تحيق هدفها الأساس، وتحول اهتمام تلك الحكومات الى محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التواجد .

ثالثا، تغيب الكتلة البرلمانية والعمل البرلماني عموما كرافع وداعم وضابط لانحرافات أو توجهات الشرعية أو كأحد الحلول المتعددة الأبعاد بجانب البعد الحكومي والرئاسي حيث لم يقتصر الدور السلبي الذي لعبه التحالف أو أحد اطرافه على ماسبق الحديث عنه بل وامتد أيضا إلى المؤسسة التشريعية والتي كان يعول عليها قطاع عريض من الشارع والنخبة اليمنية، وتحولت تلك المؤسسة إلى أداة سلبية، وأكمل إسقاط منظومة الحكم بشكل كامل لخدمة أجندة أحد أطراف التحالف، وزاد أيضا من تعميق أزمات الداخل وأوقف أي إمكانية لإيجاد آفاق أخرى للمساعدة في الحل، أو إحداث نفق من الضوء في آخر النفق وعدم قدرته على مواجهة ضغوط أطراف التحالف بحكم استقلالية تركيبهم وطريقة انتخابهم بعيدا عن مثل تلك الآليات التي تمارس على الأفراد الحكوميين الرسميين. 

رابعا، ادخال الملف اليمني ضمن ملفات المساومة مع الملفات الأخرى إقليميا ودوليا وهو ما أدركته السعودية وجعلها تقدم على طرح مباردة فيها الكثير من التنازلات لصالح الحوثيين والتي ظلت ترفظها طوال سنوات الحرب، وكذا محاولتها القفز بتلك المبادرة لعدم قدرتها على تقديم كلفة أكبر في حال ما تم ذلك الربط، والشي الأخير أدركت السعودية أيضا أن الإدارة الأمريكية أصبحت مسلمة أكبر من أي وقت مضى لتقبل الانتصار العسكري الحوثي في تلك المعركة، وإدراك السعودية أيضا لضرورة انتهاء الحرب أكثر من أي وقت مضى بعد صعود بايدن للحكم وكذا في إدراكها لفشلها في إدارة المعركة سواء في الجانب العسكري أو السياسي، والذي فرضت فيه حلول جزئية وليس كلية بسبب اختلاف مصالح ومطامع أطراف التحالف وخير دليل على ذلك اتفاق استكهولم لمعالجة قضايا الساحل، واتفاق الرياض لمعالجة مشاكل الجنوب واتفاق الأسرى وكلها اتفاقات لم تتطرق للحلول أو التسويات النهائية .

كما مثل الفشل السعودي الواضح في انعدام أي إمكانية على تخليق تحالفات حديدة لصالحها سواء لمواجهة الحوثيين أو الإماراتيين وعلى العكس من ذلك بالنسبة للإماراتيين الذين تمكنوا من خلق تحالفات قوية ومؤثرة وبامكانها أيضا تعظيم الخسائر السعودية، وكل ذلك فرض على السعودية تفادي الوصول، إلى وضعية الارتباط الكامل بين حل الملف اليمني والملفات الأخرى إقليميا ودوليا.

خامسا، بروز فاعلين عسكريين وغير رسميين منها القوات المشتركة، قوات العمالقة المجلس الانتقالي، الأحزمة الأمنية النخب المختلفة، مثل الشبوانية والضالعية والمهرية وغيرها، والذين عملوا على منازعة الدولة بكل وظائفها التقليدية وإطالة أمد الحرب وزيادة بؤر التوتر والصراعات، وظهور حروب أشبه بالحروب الأهلية القصيرة، مثل حروب الشرعية في أغلب المحافظات الجنوبية مع المجلس الانتقالي، والمقاومة في تعز مع جماعة أبو العباس وبعض الأحزاب السياسية، وأحداث التربة بين المقاومة والقوات المشتركة، مع وجود أطر فكرية لإفشال مهام الشرعية وبعض أطراف التحالف بسبب امتلاك تلك المليشيات الموارد الاقتصادية والحاضنة الشعبية، وأسلحة تزيد عما لدى الشرعية، مارست دور اخر وهو المعارضة السياسية المسلحة حيث وأنها مارست ضغوطا قوية على الدولة للحصول على نفوذ سياسي وقوة اعتراض على كل القرارات أو الاتفاقات والتفاهمات الحالية والمستقبلية وكذا إمكانية إسقاط أو بقاء الحكومات، وماخطوة تشكيل المجلس السياسي للقوات المشتركة بعيد عن ذلك التفكير.

سادسا، إفشال إقرار نموذج إدارة المناطق المحررة أثناء فترات الحروب والصراعات والأزمات وهي نماذج تتبع مدارس فكرية عالمية يكون الهدف من تطبيقها لمساعدة المركز أو صانع القرار للتفرغ لإدارة المعركة الأساسية والكبرى سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وحتى تكون تلك المحافظات مصدر تمويل ومساعد لنجاح صانع القرار في المعركة الأساسية ولذلك فان هذه النقطة هي أخطر مافي الأمر من كل النقاط السابقة، وخاصة أن أحد أطراف التحالف سعى لإفشال تطبيق ذلك النوع سواء بشكل مباشر عبر تدخله بأدواته العسكرية لعدم استقرار تلك المحافظات المحررة، أو بشكل غير مباشر لزيادة مساحات الاختلاف بين مكونات تلك المحافظات .

وعلى العكس من ذلك في مناطق الحوثيين والذين تمكنوا من عمل استقرار واضح في مناطق سيطرتهم مما مكنهم من تحويل تلك المناطق إلى رافد أساس لهم لكل وقود المعركة وفي مختلف المراحل ومكن قادتهم من التفرغ تماما لإدارة المعركة الأساسية.  افشال ذلك الأمر في محافظات الشرعية له هدف مستتر وخبيث ويتجلى في إيصال الأوضاع نهاية الأمر بقبول أو فرض رؤى معينة تتفق مع تحقيق مصالح أطراف التحالف أكثر، ويتجلى ذلك الأمر أيضا في طرح نموذج دايتن للحل كأحد النماذج المأخوذ بها عالميا والتي سبق أن طبقت في البوسنة والهرسك وهو النموذج الوحيد الذي تمكن من اقرار السلام في تلك المنقطة والتي تتشابة كثيرا من تفاصيلها مع مايحدث في اليمن وهو نموذج ياخد البعدين الفيدرالي والكونفدرالي عبر مجلس رئاسي يضم كل مكونات الدولة هناك، الصرب والكروات والبوسنة، لكني مازلت على اقتناع بعدم جدى تطبيق مثل ذلك كما ترغب به بعض أطراف التحالف بسبب عدم وجود الرافعة الشعبية التي تقبل بمثل ذلك حتى وقت قريب .

* أستاذ إدارة الأزمات والصراعات  

خاص بشبكة الصحافة اليمنية-يزن