عادل دشيلة
عادل دشيلة

المثقف ودوره الأخلاقي في الدفاع عن القضية اليمنية

كتب إيميل زولا، الأديب والكاتب الفرنسي "عن دور المثقف في الدفاع عن القيم العليا كالعدالة والحق ومناهضة التطرف والاستبداد."صحيح أن كتاباته  ألهمت كثيرًا من المثقفين حول العالم بضرورة الدفاع عن حق الشعوب. لكن، ما يزال لدينا قصور في فهم  وظيفة المثقف حيث يتصور بعض الباحثين أن المثقف هو من يقرأ الكتب وينشر الأبحاث الأكاديمية والمقالات السياسية، ويحصل على الشهادات العليا. لكن، الحقيقة التي يتجاهلها هؤلاء أن المثقف هو الذي يمتلك الرصيد القيمي والأخلاقي قبل المعرفي.

لا فائدة للمعرفة بدون القيم الإنسانية والأخلاقية. يمكن القول بأن المثقفين اليمنيين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: 

القسم الأول: التزم الصمت ولم يتحدث عن القضايا العامة، وهذا النوع لا يعول عليه مهما قرأ من كتب بدون المساهمة في توعية الجماهير فستبقى هذه القراءة عبارة عن معارف شخصية تصب في صالح الشخص نفسه، "والنتيجة هي عزلته.

لم يدرك هذا المثقف بأنّه ضمير وطنه الذي هو جزء من مكوناته". 

القسم الثاني: يمتلك المعرفة والشجاعة، ويرفض الخنوع ومجاملة الجماعات المسلحة أو الحاكم وهؤلاء مصيرهم السجن أو المنفى وربما التصفية الجسدية، وفي أضعف الحالات فصلهم من أعمالهم، وتهميشهم. 

بكل تاكيد أن هذا الصنف سجّل موقفًا أخلاقيًا وحضاريًا، ووقف إلى جانب الشعب.  القسم الثالث: أصبح يردد ما تريده جماعات العنف الدينية كحركة الحوثي والمجاميع المسلحة الأخرى، وأصبح مثل الريموت تحركه رغباته العاطفية القائمة على موقفه من الطرف الآخر الذي لا يتوافق مع أفكاره الأيديولوجية وتوجهه السياسي، بالإضافة إلى  التعليمات التي يتلقاها من أجهزة هذه المجاميع المسلحة وينفذ ما يُملى عليه، وهذا الصنف من المثقفين أشدّ خطرًا على الشعب؛ لأنّهم يزينون جرائم هذه المجاميع المسلحة ويدّعون الحياد، وهو حياد سلبي بطبيعة الحال. 

يدافع هذا  القسم عن المجرم ضد الضحية، ويستخدم مصطلحات واهية لتبرير مواقفه، ويزّيف الوعي الجمعي من خلال كتاباته القائمة على المعلومات المغلوطة، وتاريخنا المعاصر مليء بهذا النوع من المثقفين. 

والسؤال المطروح ما هو دور المثقف اليمني من المعركة الوطنية الراهنة وما الذي يجب أن يفعله؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرك بأن المثقف هو "موقف وكلمة" أي موقف أخلاقي نبيل، وكلمة صادقة تعبر عن تطلعات الجماهير، فإذا التزم المثقف اليمني بهذا الموقف النبيل، فهنا حتمًا سينتصر على الأقل أخلاقيًا، وقد كتب إدوارد سعيد عن " أخلاقيات المثقف." في الحقيقة، يتعرض الشعب اليمني اليوم لمحاولة جرف هويته، وتزييف تاريخه، وسلخه من محيطه العربي، وهذه ليست المحاولة الأولى ولن تكون الأخيرة.

تحاول جماعات العنف المؤدلجة ممثلة بحركة الحوثي جرف الهوية الثقافية للشعب، وإلغاء نظامه الديمقراطي القائم على التعددية السياسية، واستبدال ذلك بحكم الولاية وثقافة التيار الواحد، كما تحاول اختزال الشعب في سلالتها،لذلك، كانت المحاولة الأولى التستر باسم " أنصار الله"، كشعار عاطفي، ولكن الحقيقة المرة التي لم يدركها المغلوب على أمرهم من أبناء الشعب تتمثل بأن الحركة كانت تريد تغيير حتى اسم الجمهورية واستبدالها بمملكة الحوثي. لكن، فشلت في تثبيت ذلك الاسم، لذلك، خرج زعيمها قبل يومين وقال: نحن لسنا حوثيين  ونرفض اسم حركة الحوثي؛ لأن ذلك مرتبط بمنطقة حوث ونحن حركة أكبر من ذلك.

السؤال المطروح، لماذا لم يتكلم الحوثي بذلك منذ اليوم الأول، بل اليوم؟ والسبب هو أن مشروعه فشل على الأقل شعبيًا، أمّا سياسيًا، فما تزال مجاميعه المسلحة  تتلقى الدعم السياسي الناعم من قِبل المجتمع الدولي، ولم يتحرك الأخير بشكل جدي لمساعدة الشعب اليمني للخروج من هذه الأزمة وإنهاء حكم المليشيات، بل لم يتحدث عن جذور الأزمة اليمنية بطريقة واقعية. 

هل يدرك المثقف اليمني بأن عبث الحركة الحوثية وصل إلى حد لا يمكن أن يتحمله ذو عقل، حيث عسكرت الأطفال والمجتمع، ودمّرت كل ما له علاقة بتاريخ الحركة الوطنية، بل وغيّرت أسماء القاعات الدراسية وكل ما له علاقة بحضارة وثقافة الشعب واستبدلتها بأسماء لا علاقة لها باليمن مطلقًا، وأمام هذا العبث لا خيار أمام المثقف اليمني سِوى الوقوف إلى جانب الشعب وتسجيل موقف أخلاقي من خلال كشف جرائم هذه الحركة المليشاوية للعالم سواء بالكتابات، والكلمة الصادقة، والأبحاث الرصينة والندوات المرئية وغيرها.

إن دور المثقف لا يقل أهمية عن دور الجندي الذي يواجه بسلاحه الشخصي جماعات الموت؛ من أجل أن ينعم الشعب اليمني بالحياة الكريمة، والأمن والاستقرار، والسلام العادل لكل أبناء اليمن بما في ذلك اتباع الحركة الحوثية،لذلك، دور المثقف له أهمية بالغة خاصة في هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها البلد.

من وجه نظر كاتب هذه السطور، أن الخلافات السياسية وغيرها لا مجال لمناقشتها في الوقت الراهن؛ لأن كل تلك القضايا عبارة عن قضايا ثانوية، ويمكن مناقشتها بعد عودة مؤسسات الدولة، ولهذا على المثقف أن يتصف بقدر كافي من المعرفة حول طبيعة هذه المرحلة، وأن يستمد معارفه من الاطلاع على شؤون البلاد، وأن يسعى إلى كشف الحقيقة وفضح المتآمرين على المجتمع، وأن يتميز بالاستقلالية في الطرح بعيدًا عن التمترس خلف أيديولوجيا محددة.

ختامًا، ندرك بأن مسؤولية المثقف اليمني ليست سهلة وتواجه عدة صعوبات، ولكن هذا هو قدر المثقف، ومسؤوليته تتحتم عليه أن يقف إلى جانب الجماهير مهما كانت التحديات والصعوبات.

خاص بشبكة الصحافة اليمنية-يزن