شفيع العبد
شفيع العبد

نُخَبْ اليمن الزائفة

اليمن من البلدان الفقيرة، ليس على مستوى الموارد والتنمية والاستثمار في الإنسان، ولكن فقرها يتجاوز ذلك إلى نخبها السياسية بشقيها (الحاكمة والمعارضة)، وهما في المحصلة شيء واحد، إذا ما أخذنا في الاعتبار بديهية (المعارضة هي الوجه الآخر للسلطة) وتدور معها حيث دارت بحثا عن المغانم على حساب ما هو وطني.

تاريخنا الحديث والمعاصر يضع الحقيقة أمامنا مجردة كما هي، دون الحاجة إلى عناء البحث والتنقيب، فنخبة عام 90 في الشطرين سنتذاك، لم تكن مؤهلة لتحقيق الحلم الذي ابتهج به كل الشعب، وأخذت ما لا تستحقه من شرف التوقيع والابتهاج والانتقال إلى مرحلة جديدة تتطلب أدوات جديدة وعقليات أكثر انفتاحا على دعائم مشروع دولة الوحدة المتمثلة في الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية، وتمت ادارة المرحلة بذات العقلية المتربصة بالآخر للانقضاض عليه في لحظة ما، باعتبارهم جميعا مخرج ثقافة صراع ودماء، ومن لم يكن فاعل مباشر في فصولها المختلفة، فقد كان شاهد زور، وبلع لسانه حفاظا على بقاء رأسه على جسده، واستمرار جلوس الجسد المسكون بالخوف والانتهازية على كرسي سلطة زائفة أو ضمن معارضة أكثر زيفا ونفاقا.

لم تستمر تلك الحالة المليئة بالغث، فأنفجرت في صيف 94 حربا ضروسا، استهدفت في المقام الأول الحلم الذي أقصي من المعادلة لمصلحة عفونة الزيف والخداع.

واستمرت حالة زيف النخبة تتناسل نخب أكثر زيفا ووصولية وفق منهجية الغاية تبرر الوسيلة، فكان رضى الحاكم الفرد للفوز بشيء من فتات، هو الغاية التي سعت إليها النخبة بوجهيها، فرأينا كيف تتغير المواقف وتتبدل تبعاً لمزاجية القائمين على السلطة والمعارضة، حتى في أكثر المراحل الشعبية تحمساً للتغيير (الانتخابات الرئاسية 2006) رأينا المعارضة كيف تخذل مرشحها لمصلحة الحاكم تحت شعار القبول بالأمر الواقع، وظل رائد التغيير فيصل بن شملان وحيدا ممسكا على جمر موقفه الرافض الاعتراف بالنتيجة وقد أداروا له ظهورهم وسارعوا لتهنئة الحاكم وخطب وده.

لم يكن الربيع اليمني مميزا على مستوى نخبته التي هي في الأصل عفش زائد تساقط عن قطار الحاكم، أو شباب يتصارع على المنصة بانتهازية مماثلة، فأنطلقت شعارات (حيا بهم) لترسم البؤس والشقاق معا في النفوس والساحات، حتى جاءت المبادرة الخليجية التي عطلت الثورة وحرفت مسارها وعرفتها بالأزمة، وسارعت ذات النخبة للاعتراف بها تحت مبرر تجنب الاقتتال، بينما في جوهرها ممارسة هوايتها المعتادة (الفوز بشيء من فتات السلطة) وإن كان هذا المرة نصيبها المناصفة، وظهر الوزراء المحسوبين على نخبة المعارضة أكثر شراهة للفساد المالي والإداري.

مؤتمر الحوار الوطني هو الآخر تم إدارته وتوجيه دفته بذات الأدوات وبنفس العقلية، حتى وصلنا إلى الانفجار الكبير في سبتمبر 2014 وما نحن فيه اليوم من مآسي هي نتاج طبيعي لنخبة تتصارع فيما بينها بعقلية الماضي وخصومات الماضي على حساب ما هو وطني، لهذا ستظل المعاناة مستمرة وسيظل اليمن مجرد بلد فقير يكافح  من أجل دولته وعزته وكرامته بصمود أسطوري، وهو يفتقر لنخبة تعي حجم التضحيات وتقدرها، نخبة متصالحة مع ذاتها ومع الأرض والشعب، ومتحررة من الولاء للمصلحة، وعلى قطيعة مع الماضي البعيد والقريب. 

ويظل التساؤل المر بحجم المرارة التي يعيشها اليمن: هل تنتج المرحلة نخبتها من عمق معاناتها؟ أم تظل أعناقها تشرئب لنخبة الماضي لتمنحها الخلاص؟

خاص بشبكة الصحافة اليمنية-يزن