نبيل البكيري
نبيل البكيري

عن أكذوبة التعايش المذهبي يمنيا 

ثمة فكرة مخاتلة يلقيها البعض بكل بلاهة وسطحية في الحديث عن أن اليمن شهدت تعايش مذهبي منقطع النظير، على مدى تاريخها، وترتكز هذه المقولة على تسطيح كبير لفكرة التعايش أساسا، عدا عن عدم معرفة حقيقة بالتاريخ اليمني، وكيف شهد معارك ضارية واقتتال دائم بين الزيدية وخصومها من شافعية وإسماعيلة وغيرهم. 

فكرة التعايش المذهبي، هي فكرة خلاقة وعظيمة لكنها عمليا لا وجود لها في تاريخنا كيمنيين، إلا مع قيام الدولة الوطنية ممثلة بالجمهورية شمالا وجنوبا، الدولة التي قامت على أساس المواطنة المتساوية لكل أبنائها بمختلف مذاهبهم وطوائهم ومناطقهم وانتمائاتهم، وهذا كما أسلفنا لم تعرفه اليمن على مدى تاريخها إلا في فترات متقطعة من التاريخ، كتاريخ الدولة الصليحية والرسولية تحديدا، أو في العصر الراهن مع قيام الدولة الجمهورية اليمنية شمالا وجنوبا.

وما دون ذلك، يظل الحديث عن تعايش مذهبي في اليمن نوع من الحديث الدبلوماسي غير الواقعي أصلا، وذلك لأسباب عدة نشاهد اليوم واقعا أمامنا، ولن نحكيها تاريخا مضى، فمالحرب الدائرة اليوم ومنذ الانقلاب الحوثي على الشرعية اليمنية منذ سبتمبر ٢٠١٤م، إلا تجلي أوضح وأبرز لأكذوبة التعايش المذهبي التي يتحدثون عنها لتمرير أكبر جريمة يُدفع اليمنيون دفعا لقبولها والتعايش والتطبيع معها كأمر واقع مُسلم به وراضون عنه، وهو الإنقلاب الحوثي الطائفي، على شرعية اليمنيين ودولتهم وجمهوريتهم وإجماعهم الوطني.

فالإنقلاب الحوثي هذا، الذي قاد اليمن لكل هذه الحرب الطاحنة على مدى ست سنوات مضت، ولا أفق لتوقفها قريبا، هو في جوهره وأساسه أكبر دليل على أكذوبة التعايش المذهبي، لأن الإنقلاب في أصله تطبيقا حرفيا، لمقولة مذهبية ترتكز عليها الزيدية كمذهب وكأصل من أصولها الحاكمة، وهي فكرة الإمامة المرتكزة على فكرة الحق الالهي في الحكم "للبطنيين"، المنصوص عليها في أصول المذهب، وهذا المقولة المركزية التي يقوم عليها المذهب الزيدي لا يمكن إنكارها أو تجاوزها كسبب رئيس لكل ما يجري.

فأي تعايش مذهبي يتم الحديث عنه حينما يسعى أصحاب مذهب أقلوي لفرض وجه نظرهم الدينية في الشأن السياسي العام، على شعب متنوع ومتعدد كالشعب اليمني الذي يتراوح تعداد سكانه ما بين ٢٥ و٣٠ مليون يمني، ويتواجد فيه معظم المذاهب الأسلامية الأخرى وحتى أتباع الديانات الأخرى كاليهودية والمسيحية.

وبعد ذلك، كل ما يجري اليوم من حرب هو مجرد تحصيل حاصل، ونتائج للمشكل الأساس المتمثل بالسطو والتحكم بالدولة باعتبارها حق  مذهبي مقدس  واستحقاق إلاهي لجماعة من الناس دون غيرهم، وهم هنا الأسر الهاشميية والمؤمنين معهم بنظرية الإمامة الزيدية، ومن ثم فكل ما نشاهده اليوم من تدمير للمساجد ودور تعليم القرآن والخطاب المذهبي والطائفي في كل وسائل الإعلام التابعة لجماعة الحوثي وفرض كل ذلك الخطاب الطائفي على أرض الواقع ليس سوى تحصل حاصل لسطوة هذه الجماعة على الدولة واسقاطها ونسف فكرة التعايش المذهبي من جذوره.

يسعى الحوثيون، على مدى ست سنوات، لفرض مذهبيتهم بالقسر والإكراه على كل اليمنيين، في المدارس والمناهج والجوامع والمساجد حتى في خارج المناطق التي لا تؤمن بمذهبهم ولا بنظريتهم الخاصة للحكم، ويتجلى ذلك بطمس كل ما له علاقة بالماضي والحاضر والمستقبل، طمس تام للهوية اليمنية التاريخية والوطنية، وتكريس خطاب طائفي فاقع، يٌفرض فرضا وبكل وسائل القسر والإكراه حتى على مستوى خطبة الجمعة.

لن نعود للماضي وضرب الأمثلة على كل ما نقوله هنا، لن نرجع لفتوى إرشاد السامع لجواز أخذ أموال الشوافع لمتوكل إسماعيل، ولا فتاوى كفار التأويل، التي تبناها هذه المذهب قديما، بل عودوا اليوم للخطب والفتاوى والتصريحات التي يطلقها قادة هذه الجماعة على مدى سنوات الحرب، من فتاوى تكفير كل اليميين والسطو على مساجدهم التاريخية وتشويهها وفرض خطباء حوثيين لها، عدا عن تحويل خطب الجمعة إلى منابر لقذف أعراض اليميين وتكفيرهم كل أسبوع.

ما يجري من تجريف للهوية اليمنية، تحت مسمى الهوية الإيمانية "الحوثية" التي ترتكز على قسر الناس على رؤية طائفية مذهبية واحدة هي رؤية جماعة الحوثي، كل هذا اليوم ينسف أكذوبة التعايش السلمي الذي يتحدث عنه البلهاء أو هناك، فلا معنى لتعايش بين مذهب للحكام و مذهب للرعية والعبيد، هذا لا يسمى تعايش هذا يسمى استعباد وامتهان كرامات، قامت من أجل إنهاء هذا الوضع الشاذ كل ثورات اليمنية من ٤٨  مرورا بثورة ٥٥ و بـ٢٦ سبتمبر و١٤ اكتوبر وصولا حتى ثورة ١١ فبراير التي حاولت أن تعيد مسار اليمن مجددا إلى نظام جمهوري مدني إتحاد ديمقراطي عادل.

أما الحديث عن تعايش مذهبي في ظل إنقلاب طائفي يقوم على فكرة عنصرية فلا معنى له هنا، ولم يعد الأمر سوى نكتة مضحكة، فلا معنى لتعايش مذهب الحكام "المقدسين" مع مذهب الرعية والشقات "المدنسين"، فهذا يسمى استحمار واستعباد وليس تعايش مذهبي ومن يروج مثل هذا المقولات فهو لا يعدو كونه إما مٌستحمَر أو يستحمر الناس بهذا المقولة الغبية، فلا تعايش مذهبي إلا في ظل دولة جمهورية ونظام ديمقراطي ومواطنة متساوية غير هذا سيظل الاقتتال الأهلي قائم تحت كل العنوايين الطائفية والمذهبية والقبلية والمناطقية وكل هذه المفردات ما قبل الدولتية.

مقال خاص بشبكة الصحافة اليمنية (يزن)