حسن عبدالوارث
حسن عبدالوارث

يوميات مثقف

السبت : --------    

لا أدري ما هو السرّ وراء استشراء داء الشيزوفرينيا في أوساط المثقفين ؟

لي عديد من الأصدقاء والزملاء المثقفين كانوا يتحلُّون بصفات حميدة وأخلاق مجيدة ومواقف سديدة تجاه الرثّ والغثّ من الأقوال والأفعال والظواهر والمظاهر،  فاذا بدعوة الوالدين وصحوة الفجر تنطُّ بهم الى مناصب حساسة في الإدارة والسياسة، واذا بهم ينقلبون بدرجة 180 في السلوك تجاه أنفسهم والآخرين .

والمصيبة أن أكثر الناس ضرراً من عهدهم الجديد هم - في معظم الحالات - أقرب الناس اليهم في سابق عهدهم !

فهل يغدو من شروط الوزارة أو رئاسة المؤسسة أن يكون شاغلها مثالاً في الغطرسة أو الصلافة أو اللصوصية؟

قد أكون على خطأ في حكمي هذا، ولكن الحقيقة المؤكدة والمُجرَّبة تشير الى أنك اذا أردت أن تختبر معادن المثقفين فامنح مثقفاً منصباً يصبح فيه ذا سلطة ونفوذ على مصائر وأرزاق الآخرين.

إن القبيلي أو العسكري يغدو - في أحايين كثيرة - أرحم بنا ... منا !

الأحد : --------

لم يُكتب تاريخ الثورات الكبرى من دون التنويه البارز بدور الأدب والفن في مسار تلك الثورات وأسباب انتصارها على مرّ التاريخ .

كان لينين يُردّد دائماً أنه يتمنى أن تمتلك الثورة البلشفية وعي ووجدان بوشكين ، حتى لو خسرت نصف رجالها من الساسة والعسكر .

في الموقف المضاد، كان نابوليون يعتقد أن "الله مع المدفعية الثقييلة" فيما لا حاجة عنده للشعر والرسم والموسيقى، الاَّ من باب الترفيه عن النفس في أوقات الفراغ، لكنه حين نُفِيَ كسيراً ذليلاً الى جزيرة نائية، لم يستطع الاحتفاظ بسيفه وبندقيته وصولجانه الامبراطوري، ولكنه استعاض عنها ببعض الكتب واللوحات.

وبعيداً عن مشهد الثورات، ينطبق الحال تماماً على الدول والشعوب والحكومات والمجتمعات، فالمجتمع الذي يُذَلّ فيه الأديب أو الفنان ويُقهر المثقف وسائر الانتلجنتسيا، يستحيل الزعم بأيّة حضارة ترتجيه !

الاثنين : ---------

كنا يومها في قاعة امتحانات الثانوية العامة، وكانت زميلتنا الحلوة أشهر من يحفظ المُقرّر الدراسي " صَمْ " ، وبعد أن كتبتْ بضع فقرات في ورقة الاجابة، توقفت ثم راحت تنبش في رمال الذاكرة بعصبية، وفجأةً .. صرخت وبكت وانهارت وتحولت الى كومة من الهيستيريا ! أكتشفنا حينها أن زميلتنا المسكينة نسيتْ فقرة واحدة في وسط السطر فتهاوت من برج الذاكرة كل السطور التالية، ورسبت البنت الحلوة "الصمَّامة" بعد أن كنا نتوقع لها موقعاً بين العشرة الأوائل على مستوى الجمهورية !

أكاد أجد الحال ذاتها في نفرٍ غير قليل من "الكُتباء" و"الكلمنجية " الذين تثبت الوقائع المتوالية أنهم لا يفقهون مما يكتبون أو ينطقون سوى السرد اللفظي للعبارة القاموسية أو العرض الشكلي للفقرة أو الجملة من دون أدنى روح لأية فكرة كامنة فيها .

انهم حفظة دروس أو مرددو نصوص بينهم ومحتواها الجوهري ما بين كاتب هذه السطور واللغة الهيروغليفية .

الكمبيوتر يحفظ جيداً ، وكذلك الببغاء ، أما التفكير فمن شأن الانسان فحسب.

الثلاثاء : ---------

كُلِّفَ تلميذ كسول بكتابة موضوع انشائي يصف فيه مباراة في كرة القدم .

كتب: وصلت الى الملعب، وكان الطقس مُمطراً وعاصفاً، فألغى الحكم المباراة قبل أن تبدأ!

وهذي حالة عدد من الباحثين والكُتّاب والدارسين، والكسل في حالة هؤلاء يقود بالضرورة الى السطحية أو القشرية في تناول المضوعات قيد البحث أو الدراسة، وهو الأمر الذي يقود بالتالي الى إصابة عقل المتلقي أو الرأي العام بأنيميا معرفية حادة في مضمار هذا الموضوع أو ذاك .

حقاً إن المكتبة المرجعية فقيرة في اليمن، وحقاً إن مراكز البحث العلمي في هذا البلد محدودة العدد والعتاد هي الأخرى، وحقاً إن أهم قنوات وأدوات الدراسة الجادة متخلفة للغاية، غير أن جرثومة الكسل لدى الباحث أو الكاتب تشترك مع هذه العوامل كلها لتزيد الصورة قتامة والعورة جسامة !

إن كتابة مقال أو حتى عمود تحتاج - في عدة حالات -الى نبش الأرشيف ونكش الذاكرة ونخش الغبار عن المصادر والمراجع المتوارية، فكيف الحال بكتابة دراسة منهاجية؟

الأربعاء : ----------

المثقفون عرضة للتكفير والتخوين في كل زمان ومكان .

وأغلب من يُكفّرهم أو يُخوّنهم هم رجال الدين ، أيّ دين ، ثم رجال السياسة والدولة . حدث هذا منذ القرون الوسطى لدى العرب والعجم على السواء . والأدهى أنه لايزال يحدث حتى هذه اللحظة !

غير أن المؤلم في الأمر (أو كما قال الشاعر: أشدّ مضاضة على النفس، حين وصف ظلم ذوي القُربى!) ليس تكفير رجل الدين أو تخوين رجل الدولة للمثقف، إنما أن يأتي هذا الفعل أو ذاك من المثقف نفسه !

إحذر من المثقف على المثقف، قبل أن تحذر عليه من الفقيه أو السياسي ، وهو ما أشار اليه ابن قُتيبة بألمٍ ساطع في غابر الزمان .

وهذا لعمري ما ينطبق على أهل الثقافة والصحافة على مدار السويعة من المحيط المنثور الى الخليج المهدور، أكثر مما ينطبق على سواهم من أهل المهن والحِرَف الأخرى . أيها المثقف .. إحذر .. ثمة مثقف خلف ظهرك !

الخميس : ---------- قرأتُ مرةً حواراً بين صحافي ووزير اِعلام ، كلاهما عربي .

وفي الحوار، كشف الصحافي - الذي كان والوزير زميلين في جريدة واحدة - أن زميله هذا كان يمقت الرقابة على الصحافة، قبل أن يصير وزيراً فيراقب الصحافة، بل ويشدّد الرقابة ! والحكاية قديمة، ولاتزال مستمرة .

ولازال بعضنا يتذكر ويتندّر بحكايات عن "بعضهم" بين عهدين : سابق، رفضوا فيه التعاطي مع قاموس القمع، ولاحق أضافوا فيه الى هذا القاموس، بل أصدروا منه طبعة مزيّدة ومنقّحة !

يكاد المرء يعتقد بقوة، باستحالة بقاء المثقف على موقفه السليم - ثابتاً- اثر انتقاله من موقع السفود الى موقع النفوذ !

وقد عرفتُ شخصياً عدداً من الزملاء والأصدقاء شهدوا منازل القمر - على هكذا منوال - فاذا بالمقموع ينقلب قامعاً ، واذا بالسجين يغدو سجانا !

الجمعة : --------- ذات يوم بعيد ، قال الأديب الشهيد محمد عبدالولي - على لسان أحد أبطاله - وهو في حالة نفسية شائكة التعقيد : "هناك سرٌّ ما في بلادنا هذه ، إنها جرداء وقاحلة.. لكن الأمل في أن لا يقتلنا هؤلاء الذين لا قيمة الاّ لبندقياتهم".

وتشاء حماقة الأقدار أن يقترف "هؤلاء الذين لا قيمة الاّ لبندقياتهم " جريمة قتل عبدالولي نفسه !

وأمثال هؤلاء يصعب القبض عليهم، لا عبر الانتربول ولا الانترنت ولا الانتركونتننتال ولا أيّ آخر، إنهم يوغلون فينا، يتوغلون في نسيج كوابيسنا، ويتغوّلون في واقعنا المادي والافتراضي معاً، ولا أمل في ازاحتهم الاّ باستئصال رؤوسنا !

حقاً إن "أعلى ذروة يمكن أن يبلغها المرء ليست المعرفة ولا الفضيلة ولا النصر، بل هي شيء أكبر، إنها الخوف المقدس" . والعبارة لكازنتزاكي الذي سخر بمرارة من الحماقات والحقارات لدى بعضنا، فقال : " إنْ لم تكن للانسان رأس، يكفي أن تكون لديه قبعة " ! و ... جمعة مباركة ، والله يعلم .

مقال خاص بشبكة الصحافة اليمنية (يزن)