أيمن نبيل
أيمن نبيل

هامشان على عشرية الحلم والكابوس

مرور ذكرى عشر سنوات على بداية حقبة الثورة التي لا تزال المنطقة العربية تخوض غمار أهوالها، تدفع المرء دفعًا للتعليق واستخلاص ما يمكن استخلاصه من التجربة التي لم تكتمل بعد.

الذكرى مناسبة للتفكير في صياغة الاستنتاجات، ولكن التفكير في مرحلة الثورة عمومًا أصبح أمرًا لازمًا بلا حاجة إلى ذكرى أو مناسبة منذ فشلت قوى الثورة في بناء نظم ديمقراطيّة تباشر التفكير في التنمية والعدالة الاجتماعيّة؛ وكان نتيجة هذا الفشل عودة الاستبداد أو هدم الأخير للبلاد على رؤوس العباد.

من المهم كذلك القول إن تقديم خلاصات لا يعني بأي حال أنها كانت تستحق كل هذه الأهوال، كل ما يرجوه المرء هو أن نتعلم حتى لا نسقط مرة أخرى، نحن (إذا حالفنا الحظ) أو الأجيال التالية، في هذه البئر الكابوسية التي نتخبط في ظلماتها ولا نجد منها مخرجًا. أولًا: يقول بعض الكُتاب والسياسيين إن تجربة المرحلة الانتقاليّة أثبتت أن الشعوب العربيّة  لا "تستحق" الحريّة لأنها لا تحسن استخدامها.

إذا تأملنا المرحلة الانتقاليّة سنجد أن أسوأ السلوكيات الاجتماعيّة التي لم تتفهم واقع المرحلة كانت الاحتجاجات الفئويّة التي عرقلت حركة المرور في بعض الشوارع وألحقت أضرارًا بالاقتصاد. هذا أقصى تهوّر مارسه الناس، بدون حملات فوقيّة تحريضية، حين فتح أمامها المجال العام.

لم يحدث مثلًا أن غزا الفقراء المُعدمون أحياء الأثرياء كما يتخوّف عادة الأثرياء العرب والكُتّاب الذين يغشون مجالسهم، ولم يذهب الكادحون وأولئك الذين أهينوا وسحلوا في السجون وأقسام الشرطة إلى منازل مسؤولي النظام، بعد تدحرج رأسه وانتشاء الناس بالنصر وتفاجئها بقوتها، لتطبيق العدالة الذاتية بإعدامهم وتعليقهم في الميادين.. على العكس، ظلوا يطرقون أبواب المحاكم (محاكم النظام!) لمحاسبة المسؤولين الفاسدين والمتهمين بارتكاب الجرائم، أما في اليمن فقد قبلت الناس بالتخلي عن حقها في معاقبة صالح وجماعته في النظام، وقبلت على مضض بالحصانة القضائية التي أعطيت لهم، مقابل تركهم اليمنيين وشأنهم. 

من ثبت بالدليل القاطع أنه لم يحسن استخدام الحريّة كان النخب ونجوم المجتمع. في مصر مثلًا، فُتح باب السخرية السياسية الموارب في عهد مبارك على مصراعيه بعد ثورة  يناير، فحولها نجوم الإعلام (من كل الأطياف) إلى شتائم وإهانات عنصريّة وعمليات اغتيال معنوي حقود. المعارضة السياسيّة استفادت من مناخ الحريات الجديد واستخدمت ضد الرئيس كل شيء: الاغتيال المعنوي، حملات الكذب ونشر الشائعات، والتواطؤ مع الجيش والوقوف معه في انقلابه. الرئيس الراحل محمد مرسي صعد إلى كرسي الرئاسة ونصف المجتمع ضدّه؛ فقد فضّل انتخاب شخصية من نظام مبارك عليه.

باستحضار هذه الحقيقة مع حقيقة فوارق عدد الأصوات بين المرحلتين الأولى والثانية، نستنتج أن ثلثي المجتمع لم يكونا مع الرئيس المنتخب. ومع ذلك، وحين أتت الفرصة له ولجماعة الإخوان المسلمين لممارسة الحكم، أراد أن يحكم وحده بدون أي تحالفات أو شركاء، وعوّل على التحالف مع الجيش بديلًا للشراكة مع الأنداد. أما المثقفون والصحفيون، الذين أهدتهم ثورة يناير وتكنولوجيا الاتصال  مركب (الحريّات-قوة التأثير) الذي لم يحظوا بمثله في التاريخ المصري الحديث، بعضهم استثمر كل طاقته في حملات التحريض وتعميم ثقافة التطهير والاستئصال.

ثمة خطأ مؤذٍ في الحيّز الخاص ولكنه قاتل في المجال العمومي في مراحل الهشاشة وعدم الاستقرار، وهو الخلط بين الحق والصواب. الاعتقاد بأن حدود الحريّة هي قانون العقوبات أمر متعب لمجتمعات قوية وفيها مؤسسات دولتية ومدنية راسخة. 

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب أحد تجسيدات هذه الفكرة: سياسي يعرف الحقوق ويستنزفها بلا أي اعتبار للصواب؛ اي أنه بلا ثقافة ديمقراطيّة، ورأينا جميعًا خطورة الاضطرابات التي عاشتها الولايات المتحدة على كل المستويات نتيجة سلوكه. 

أما في المجتمعات التي تسعى لحيازة القوة وبناء دولتها بل وأحيانًا تحاول استكمال بناء "الشعب" نفسه مثل مجتمعاتنا_ شعور النخب بالمسؤولية والامتناع عن ممارسة بعض الأمور حتى لو كانت من "حقها" قانونيًا، أمرٌ حاسم لا في بناء نظام ديمقراطي فحسب، بل قبل ذلك في وجود الدولة نفسها. 

يمكن النظر عبر هذا التمييز إلى سلوك المحاصصة (وليست شراكة كما يغالط البعض) الذي اتبعته أحزاب اللقاء المشترك في المرحلة الانتقالية ونتائجه على البلاد، ودفعه القواعد البيروقراطية من الميل مع الثورة إلى الاصطفاف مع علي صالح ومن معه. لم يكن هذا السلوك من الناحية القانونية خطأ في أغلب الحالات، ولكنه أخاف الناس واستفزها مما ساهم في تهيئتها للثورة المضادة بقيادة صالح والحوثيين.

 في نهاية المطاف، أحد أسباب سقوطنا في هذا الوحل التاريخي كان عدم تمكن قطاع مؤثر من النخب والمشاهير من استخدام الحريّة بشكل مسؤول.

ثانيًا: الاستبداد ليس مجرد نظام سياسي، بل وشروط تفكير أيضًا. هذه الفكرة مهمة لمقاربة الشأن الراهن. 

في مجتمعاتنا مشاكل مستعصية، ولكن ليس كل شيء سيء في واقعنا مزمن؛ بعضه مرتبط عضويًا بحالة المجال العام، بحيث أن تغييرًا جريئًا في حدود التداول العمومي وحريّاته قد يفتح آفاقًا تغير الكثير من ديناميكيات الواقع. قبيل ثورة 11 فبراير في اليمن، كانت عمليات تسييد نظام صالح النزعاتِ المحافظة في المجتمع اليمني قد بلغت مداها منذ استعر أوارها بُعيد عام 1994، حتى أن البعض قد بدأ في تحويل هذه النزعة المحافظة من منتج سياسي-اجتماعي، أخذ زخمه في التسعينيات فحسب، إلى صفة جوهرية عند اليمنيين! 

كانت اليمن في تلك الفترة، فترة التشكل النهائي لنظام صالح (1994-2011)، من أكثر دول العالم التي تعاني فيها النساء من التمييز. ولكن بمجرد اندلاع الثورة، اندفعت النساء إلى المجال العام عبر الاحتجاجات، وكانت السيدة توكل كرمان أول وأبرز قيادة أنتجتها ساحات الثورة. أذكّر أن الساحات الكبرى في المدن لم تكن فقط تحوي أبناءها بل كان يأتيها مدد مستمر من الأرياف (القَبَليَّة وغير القَبَليَّة) كذلك، كما أن المدن نفسها كانت تعاني في عهد صالح من الترييف المستمر من جهة، وسيطرة الإسلاميين (الإخوان المسلمون والسلفيون بدرجة رئيسية) على الفضاء الثقافي من جهة أخرى. 

باستثناء النظام وجيشه، كل دعائم ومعاقل المحافظة (الأرياف-القبائل، الإسلاميون) كانت متواجدة بقوة في ساحات الثورة، وهي مع ذلك لم ترفض أن يرمز لنضالاتها ويقودها شخصية نسائية. 

هذا لا يعني أن المجتمع اليمني ليست فيه نزعات محافظة متطرفة، ولا يعني أن النساء لا يعانين من التمييز؛ فقد تمكنت القوى المحافظة (وهي الأقوى تنظيمًا) في الساحات من تخثير مسار التحرر النسائي في الثورة لاحقًا.

ما تقوله ثورة فبراير إن السلوك الاجتماعي و"السمات" الثقافية ليست بالصلابة والأزلية التي يروّج لها كثيرون، وأن سيطرة الإسلاميين والمحافظين الهائلة على الفضاء الاجتماعي ناتج ثقافة الاستبداد وظروفها وليست قدرًا ثقافيًا؛ هناك مساحة يمكن افتتاحها لإحداث تغييرات في السلوك الاجتماعي وفي أكثر المجالات حساسية بمجرد كسر روح التحرر شروطَ التفكير التي تحددها ثقافة الاستبداد، حتى قبل أن يُكسَر نظام الاستبداد نفسه. 

أقول هنا افتتاحها وليس تحقيقها؛ عمليات التحرر وتطوير الثقافة الاجتماعية مسألة نضال سياسي وبناء دولة قانون حديثة واقتصاد انتاجي ومجتمع مدني قوي وإيمان نخب بقيم حديثة. وبالتالي علينا ألا نبالغ ونرى "أزلية" فيما نعايشه من سلوك اجتماعي وحشي في أثناء الحرب أو انتشار خطاب متخلف في مجتمع ضُربت فيه الثورة بعنف. 

كثير من هذا لن يختفي، ولكنه سيعود إلى حجمه الطبيعي في الواقع الاجتماعي الذي يحوي ظواهر وتيارات مختلفة ومتناقضة، إذا التأمت الدولة ومُزّق إطار ثقافة الاستبداد. 

مقال خاص بشبكة الصحافة اليمنية-يزن