نبيل الأسيدي
نبيل الأسيدي

مأرب.. الرحلة الباردة

ذات مرة زرت محافظة مأرب حينما كنت طالبا في كلية الإعلام، وكانت حينها الرحله بتنظيم من مجموعه ينتمون لحزب الإصلاخ.

لم يكن أمر انتماء الجهه المنظمة مسألة تهمني كثيرا، بقدر اهتمامي برغبتي بزيارة تلك المحافظة الغريبة التي لا أعرف منها سوى محد طعيمان المأربي الوحيد الذي يدرس في كلية الإعلام لابسا ثوبه الأصفر وجنبيته العتيقه في قاعات الكليه .

* ونحن نرتص في باص السفر جاء في ذهني  قصص التاريخ لملوك سبأ وعظمتهم وسد مأرب الذي استحق أن يذكر في القران والقصص التراثية، والأهم من ذلك استغرابي من نشوة السفر و" البطرة" المستحوذه على أهل مأرب حينها وهم يتطلبون المباعدة بين أسفارهم. يومها لعنت أمنيتهم الغريبة، لو لم يطلبوا المباعدة في الأسفار لما حلت بهم وبنا تلك النقمة الإلهية، يا لهم من أوغاد، قلت ذلك لصديقي إبراهيم الرعيني القادم من شرعب وجاء إلى مأرب وهو يلبس ربطة العنق والبدلة الرسميه. مالذي كان لديهم من الراحة ليطلبوا العناء، ماذا لو كانت لديهم طائرات لتنقلهم من مكان إلى آخر بدلا عن الخيول والجمال، ربما لو كانت لديهم ما لدى العالم الآن، ماذا كانوا سيطلبون، ربما أن يأتي الملائكة كي تنقلهم. 

* ما أن وصلنا مأرب حتى استقبلنا أحد شيوخها، قد لا اتذكر اسمه الآن، فقد قدم لنا غداءً وفيرا وعصيدة تملئ حفرتها زيتا، بعدها قيل لنا أنه سليط الجلجل.. لم نكن معتادين عليه فسلط علينا المغص. * كان ذاك الشيخ يمتلك منزلا فخما وكبيرا لكنه يحب كثيرا المبيت في خيمته البعيدة في الصحراء التي أخذنا إليها وإلى صقيعها الغريب، وبما أن المنظمين كانوا من الإصلاح فكان لزاما عليا أن نجتمع في حلقه لتلقي الدروس والوعظ لكننا ارتأينا أنا وبعض الزملاء والزميلات الانفراد بالصحراء والحشوش والضحك والسمر إلا أنهم أرسلوا لنا مبعوثا مأربيا خجولا يطلبنا للم الشمل بالمجموعه المملة ونحن نتهامس ضاحكين أن عودتنا القسريه للمجموعة ليس إلا خشية الوقوع في كبائر الاختلاط . 

* لم استطع النوم في تلك الخيمة المليئة بشعارات السيف والنخلة التي قيل أنه تم جلبها من السعوديه بأكثر من خمسة وثلاثين ألفا من الريالات السعوديه، كان البرد قارسا رغم منحي رداءً من الصوف .. لحظتها كنت أمتلئ غيضا من ذلك الشيخ المأربي الكريم، مالذي يجعله ينام في تلك الصحراء الباردة ولديه منزل دافئ مترامي الأطراف.

* جاء الفجر وقد صار جسدي شبيها بالآيسكريم، واذا بمنظمي الرحله يوقظون الكل لصلاة الفجر، فالتحفت رداء الصوف وسكبت الماء فإذا به أبرد من الصحراء، فعزمت على الصلاة بلا وضوء إرضاء للجمع وخوفا من ماء بارد لا أقدر عليه، وعازما ألا أعود إلى مأرب وصحرائها الباردة وعصيدة شيخها المليئة بسليط الجلجل . 

* عدت من مأرب وأنا لا أنوي السفر إليها مجددا فالسد العظيم قد زرناه ومزارع البرتقال التي يمتلكها الشيوخ المأربيون ولا يعملون فيها قد دخلنا إليها والآثار المهملة قد عبثنا بها كالآخرين والكرم الذي في دواخلهم ليتهم يحملونه إلى صنعاء لكن بلا سليط الجلجل. *لست محظوظا لأعرف مأرب اليوم بعد ماحدث خلال سنوات الاجتياح الحوثي لصنعاء، مارب التي يصلنا عنها التوسع في العمران وفي مخيمات اللجوء أيضا، في المطاعم والفنادق واللصوص والشرفاء، مارب التي نسمع عنها اليوم بالتأكيد لم تعد تلك الخيمة الباردة لكثيرين، وأبرد من البرد بالنسبة لساكني خيم النزوح.

*في الصحافه وعالمها الذي أنتمي إليه لم يكن لمأرب حضور إلا عبر الزميلين العزيزين محمد الصالحي وحسن الزائدي كان الأول يقود موقعا الكترونيا مذهلا (مأرب برس) ولأول مره تفتح ميزة التعليق والتفاعل مع المقالات والأخبار، ومن ثم تحول الموقع الشهير إلى صحيفة يوميه كان لها الحضور الفريد ولو أنها حسبت على الإصلاح وعلى قائد الفرقة علي محسن وهو ما ظل الزميل الصالحي ينفيه تماما.

* مأرب لم تتركني في غربتي القسرية هنا في سويسرا إذ جاء الزميل محمد الصالحي زائرا وبرفقته الشيخ حسين الشريف وهما اللذان التحقا بالشرعيه ووقفا ضد الحوثي، جاءا إلى سويسرا ولم يتركا مأرب أبدا حبا وذكريات وأخلاقا وتعاملا ويتحدثا عن الجمهورية وكأنها وجدت من أجل مأرب . 

* ما يذكرني بهم الآن هو ذودهم عن الجمهوية وأحلامنا الوطنية وكأنهم سدها الأخير وسياجها وحاميها أمام سلالة تريد حكمنا لانها تعتقد أن الله خلقنا من أجل خدمتهم فقط .

مقال خاص بشبكة الصحافة اليمنية (يزن)