شـاكر أحمد خـالد
شـاكر أحمد خـالد

صالح وثورة فبراير

يحاول أنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح مرارا الوقوف على أطلال المآلات الكارثية التي انتهت إليها ثورة ١١ فبراير.

النتائج مريعة لا شك. غير أنهم يتجاهلون الأسباب التي أدت إلى هذه الأوضاع. يرمون ما حصل من مؤامرات عظمى إلى الشباب العزل وحركة الاحتجاجات السلمية.

كان بالإمكان أن نعد مليشيا الحوثي نتيجة من نتائج الثورة غير المكتملة. إلا أن قوة نظام صالح وتغوله في مفاصل الدولة أنذاك لم يكن يترك مجالا للمخاتلات والمغالطات الفاضحة. 

صالح لم يحتفظ بقوته لكي يعود إلى السلطة. ليته فعل ذلك كديكتاور حقيقي، لكنه طوعها بشكل كلي في خدمة السيد وعودة الإمامة بهدف واضح وغير خفي: الانتقام من ثورة فبراير.

تاليا، يحاول أنصاره تحويله إلى ضحية. يقولون إن الثورة هي السبب، رغم كونها احدى المظاهر السلمية التي شهد لها العالم.

كانت المسيرات تجوب شوارع المدن المختلفة بشعارات مدنية وحقوقية، ولم تسجل أي ردات عنيفة، رغم وابل الرصاص التي كانت تطلقها قوات صالح وبلاطجته ضد المتظاهرين، ما أدى إلى مجازر مروعة.

وحين فشلت كل محاولات عسكرة الثورة وتحويلها إلى صدام مسلح، لجأت الأطراف المختلفة إلى المبادرة الخليجية التي منحت صالح حصانة قضائية من المساءلة القانونية على جرائمه وفترة حكمه الممتد لأكثر من ٣٣ عاما.

بدلا من استفادته من هذه المنحة المختلة، راح ينفث سموم حقده على المرحلة الانتقالية بالتحالف مع الحوثيين، بل والذوبان في كيانهم العنصري وتسليمهم كل مقدرات الدولة من معسكرات ومخازن أسلحة وتوفير الغطاء سياسي للانقلاب.

لأنها جماعة سلالية قادمة من كهوف التاريخ، لم تحتمل أية محاولة منه للظهور مرة أخرى حتى كنافذ صغير في دولة السيد.

وفي تلك اللحظة التي أدرك فيها عاقبة وبال أمره، مقررا المواجهة المحدودة في مربع صغير لا يتجاوز حدود مسكنه جنوب صنعاء، قررت مليشيا الحوثي انهاء قصته بشكل شنيع وخاتمة سوء غير مسبوقة في التاريخ.

الآن تبدو مقولات أنصاره عن المواجهة الشجاعة كخاتمة حسنة، غير جديرة بالاهتمام.

كما أنه مهما تباينت الروايات حول مقتله سواء في مربع مسكنه بصنعاء أو أثناء محاولته الهروب إلى مسقط رأسه في سنحان، لا أحد يتصور بأن حاكم آخر تهيأت له فرص الزعامة والمجد مثله.

لا يوجد منطق ولا فكرة قابلة للنقاش أو الجدل في قصة النهاية. ثمة حاكم ذهب ضحية جزء بسيط من جرائمه وغدره بالجمهورية على يد من سلمهم مقاليد سلطته الخاصة انتقاما من ثورة فبراير.

حاكم لأزيد  من ٣٣ عاما، وقد بنا خلالها مقدرات سياسية ومالية وعسكرية خاصة، يتخلى عنها بتلك الطريقة البالغة في المكر والحقد، ثم يحاول استعادتها في لحظة صحو متأخرة على تخوم منزله.

ما هو النموذج الذي يريده أنصاره على أنقاض تلك المخلفات. كان هناك نموذج يمن جديد يتشكل، لكن صالح حاربه وغدر بتضحيات ثوار عظماء قبل أن تغدر به الإمامة.

لن نحاكمهم بمنطق التاريخ. فقط يجدر الاشارة إلى معارك يقودها الجيش الوطني ببسالة في مختلف الجبهات مع مليشيا ورثت كل مقدرات الدولة العسكرية.

علاوة على أنها مليشيا مدعومة استخباراتيا وعسكريا من طهران، ثمة ثورة مضادة تقودها دول محورية في المنطقة وبترسانة عسكرية ضخمة.

ومع كل ذلك، هناك نموذج جيد للحكم المحلي في مأرب وشبوة، رغم المؤمرات. لنتصور على سبيل المثال، ماذا لو تهيأت فرصة ربع ما توفرت للرئيس السابق، أين كان سيصل بنا قطار التنمية؟

أيضا رغبة الخراب والتدمير التي أرادها صالح، كي نترحم على عهده، تلاقت مع رغبة دول اقليمية معتبرة كالسعودية والامارات لكسر ارادة الثوار وقمع توجهات الحرية والديمقراطية في المنطقة.

رغم ذلك، لا تزال الثورات تفرض منطقها على هذه الدول وإن بطرق أخرى، إذ تدفعها إلى الانفتاح الواسع على جوانب كانت مستحيلة فيما مضى، وقد تجد نفسها مع الوقت وجها لوجه أمام استحقاقات لحظة تاريخية لا مفر منها.

حينها ربما يدرك أنصار صالح بأن قصة "الزعيم" لا تختلف عن نهاية أي ديكتاتور آخر مع فارق ان صالح ترك البلاد نهبا للفوضى وفريسة لتخلف التنمية، وزاد بخاتمة سيئة ومقيتة، بتسليمه مقاليد السلطة والقوة العسكرية رسميا إلى الامامة. 

*مقال خاص بالكاتب لشبكة الصحافة اليمنية (يزن)