صدام أبو عاصم
صدام أبو عاصم

وعد بالفوز في سيارة أجرة

قالها صاحب التاكسي ومضي. سبع سنوات وكلماته الواثقة بحنق تطن في أذني. أعتقد أنني لم أفشها لأحد منذ ذلك الحين، غير أن ما قاله يعذبني كثيرا، إذ لم يبرح ذاكرتي ومخيلتي كلما تراءت لنا خارطة المأساة اليوم. كيف استطاع أن يخرسني ذلك الغريب بعدما احتد النقاش بيننا، طوال المشوار من "فج عطان" إلى حيث سكني المؤقت حينها في شارع هائل بصنعاء، وحتى اليوم. في وقت متأخر من إحدى ليالي 2013 وكعادتي حين خروجي من مقر "مأرب برس"، الصحيفة اليومية التي كنت أعمل لها، استقلت سيارة أجرة من نوع كامري شبه جديدة، في الطريق إلى البيت. كان خلف مقودها يقف شاب ثلاثيني يبدو أليفا بملابس لائقة وبوجنة حمراء منتفخة، غير أنني ودون أن أفاوضه بقيمة المشوار بدلت صورته الأولى بأخرى درامية غاضبة حين مددت يدي إلى مشغل الأغاني في سيارته وأوقفت ما كان حينها يصدح بإزعاج عبر جهاز الصوت.

 

أتذكر حينها أنها كانت "ما نبالي ما نبالي بالجرامل والأوالي" أو ما شابه وهي أنشودة من الأناشيد الحماسية لجماعة الحوثي التي بدأت تتمدد حينها عسكريا في صعدة وضواحيها. التفت الشاب نحوي بالوجه الجديد الذي ألبسته إياه وقال لي بلكنته الصنعانية: "أو ما عجبتك؟ قلت له قبل أن يتعافى من ملامح ذلك الاستفهام: نعم لم تعجبني ولن تعجب أو تروق لأي شخص يستقل تاكسي هذا الوقت بعد عمل ليلي مرهق. 

وقبل أن أسمع كلماته الحانقة التي يرددها مع وتيرة صوت ترتفع، سألته: أعتقد أنك من صنعاء، قال نعم، قلت له: ولديكم بيت ملك؟ قال نعم، قلت له ومعكم طيرمانة جميلة أليس كذلك؟ قال بالضبط: قلت له بإمكانك أن تركن سيارة الأجرة أمام بيتكم وتخزن قاتك لمفردك في "الطيرمانة" خاصتكم وتفتح "ما نبالي" أو "بوس الواوا" أو ما شئت. أما هنا فأنت محكوم بمزاج الزبائن. أنت صاحب تاكسي ويجب أن تحترم العميل فبعضهم لديهم مشاكل وبعضهم مصدع وآخر يكره الضجيج والدوشة كالزامل الذي كنت مشغله قبل قليل. متى تتعلموا؟ لا أدري إن كان مهتما لمحاضرتي في الإتيكيت واللياقة تلك، لكنني فهمت أنه يستعد لقول شيء مهم، سيرميه في وجهي بعد قليل حين يهدىء من السرعة ويوقف سيارته جانبا قبل أن نصل "جولة المدينة" في ذات اتجاه السير. كنت أتوقع أن يقول لي انزل من سيارتي وهذا مالم أكن أتمناه لأنني انتظرت مجيء سيارة أجرة كثيرا في ذلك الغسق البارد قبل أن أجد هذا المقصوف بأسئلتي الاستفزازية، غير أنه بلع الغضب بالتزامن مع استشراف ملامحي الودودة في النقاش وقال: أنت لم تعجبك لأنها زامل حوثي وأنت يبدو أنك دكتور أو مثقف من حق..... ولم يكمل ! أو أنني لم أرد أن أسمع بقية حديثه الذي سيفضي لنقاش آخر؟ وأتبع بلهجته الصنعانية: "لكن أقسم بالله أنكم عاتسمعوها بالرضا والا بالصميل وأنها قريب جدا عاتكون بكل الإذاعات وبكل التلفزيونات الرسمية، وحتى المدارس والمساجد والأسواق كلها عاتنشد بهذه الأناشيد وهذه الزوامل". "طيب" أجبته برد ساخر فاتر وكأني أنتظر منه أن يتحرك نحو وجهتي التي لم يسألني عنها بعد: قلت له شارع هائل جولة عشرين لو تكرمت! كان رأسي مثقلا بعد يوم مهني يعرفه جيدا من يعمل ليلا في حقل الصحافة، وأريد أن أصل لأرمي جسدي في الفراش وأغط في نوم عميق متناسيا الشغل وفضاضة وفضول أصحاب سيارات الأجرة.

تحرك ثم التفت نحوي التفاتة قصيرة وقال بنبرة هادئة وواثقة هذه المرة: "قلت لك قريب جدا.. يعني ستة أشهر أو سنة بالكثير وإن إحنا داخل صنعاء وبعدها نحكم اليمن كلها". أشرت له بيدي أن استمر في طريقك ليفهم أنني سئمت الكلام. أخاف أن يكون فهم إشارتي حينها أن تفضلوا فصنعاء مدينة مفتوحة. وإن يكن قد فهم ذلك فهل يعني أنني سأمنحهم لاحقا مفاتيحها التي بجيبي مثلا! كرر ما قاله لي بابتسامة ماكرة هذه المرة لا أتذكر شيء من ملامح صاحبها لكنني أتذكر نبرة الصوت جيدا: "سنة واحدة واحنا داخل صنعاء.. خذ هذا الوعد مني وقول بعدين قال لي صاحب تاكسي". كان توقيت هذه النقاش منتصف أو أواخر العام 2013، الآن يقفز للواجهة طريا كلما تذكرت ماحل بنا.

أتساءل أحيانا من أين لشاب مهندم على سيارة أجرة، يفصح لاحقا أنه من الجماعة بقوله "احنا"، كل هذه الثقة التي تفيد بانهيار وشيك لأركان الدولة؟

هل كان وعيه السياسي والأمني أكثر من الجميع ليكتشف أننا نسير نحو الهاوية حتى وان كانت الهاوية في نظره انتصار بعودة عرش ضائع. أم أنه كان عليم بالخطط الخفية لجماعته وحلفائها والتي تفيد بمعركتنا الخاسرة سلفا مع مشروع الدولة المأمول. أيا كانت نوايا ومدارك ذلك الغريب الذي وعدني بينما سخرت من حلمه بابتسامة ساخرة. أينما كان الآن وكيفما كان وضعه، إما "يأكل تفاح" مع الهالكين أو متمترس في جبهة نهم أو يطارد "حمالات الصدر" في شارع جمال أو مشرف جشع يجني الجبايات على العاديين في حجة أو إب، اعترف له من منفاي بخسارة النقاش والنزال والحلم معا. لكن هذا لا يعني أنه قد فاز. تعاسة القدر وحماقة الساسة أوفوه الوعد الذي قطعه لي اعتباطا في سيارة أجرة، بينما ينتظرنا معا شوط آخر من النقاش والنزال والحلم. وسنفوز.